حين نعلم أن مطار دبي سوف يستقبل نحو 60 مليون قادم خلال عام 2012، وحين نرى أن دبي أصبحت قبلة الباحثين عن السياحة، بل والعيش والإقامة فيها، نعلم قدر المفاجأة الكبيرة التي تحملها تصريحات شرطة دبي مؤخراً، بأن الجرائم المقيدة ضد مجهول في الإمارة معدومة تقريباً، وأن نسبة المعلومة منها تجاوزت الـ99%.

مؤشر أمني قياسي، وإنجاز يضع دبي على رأس قائمة دول السلام والأمان، بفضل الله عز وجل أولاً، ثم بجهود الساهرين على حفظ الأمن والعاملين على تحقيقه، لأنه أحد أدق أسس الحياة الإنسانية ولا تستقيم الحياة إلا به.

والذي يضاف إلى المعلومة السابقة ويعزز اكتمال منظومة مكافحة الجريمة في الإمارة، أن الأمر لم يتوقف عند القدرة على كشف ما وقع من الجرائم، بل إن التحدي الذي خاضته الشرطة ونجحت فيه كان في خفض مستويات الجريمة، حيث بلغ هذا الانخفاض نسبة 31.5 في المئة عن السنوات السابقة، وهو مؤشر إضافي أيضاً على نضج فرق البحث الجنائي، وعلو مهاراتهم.

هذا الأمر وهذه النتائج المشرّفة، تعنينا نحن أولاً كجمهور وكأبناء لهذا الوطن، مع أنها وسام يحق للذين سعوا إلى تحقيقه الفخر به، إلا أننا نقتنص هذا الإنجاز لنعممه بيننا، إيماناً بأن شيوع الأمن هو مفتاح كل بناء ونهضة، وغياب الأمن أول علامات الخراب على كل المستويات.

لم تأت النتائج التي وصلت إليها شرطة دبي من ضربة حظ، بل كانت ثمرة عمل وتدريب متواصل، وصناعة كفاءات شرطية وبرامج أمنية، ودراسات ميدانية لمواقع الجرائم وأساليب ارتكابها، وتطبيق برنامج دبلوم البحث الجنائي الذي يقوم بعمليات تأهيل ميدانية على الكشف عن الجرائم.. هذه المقدمات أسهمت، كما صرحت بذلك شرطة دبي، في إيجاد خبراء أمنيين، وليس مجرد ضباط بحث وتحرٍّ.

ولكننا نحتاج مع ذلك إلى وقفة مهمة تدعم هذه النتائج وترفد تعزيزها، تتعلق بدوافع الجريمة كما ينظر إليها علماء الاجتماع، لنعلم أن الإمارات عموماً ودبي خصوصاً، هيأت البيئة المناسبة لتجفيف ينابيع الجرائم والدافع إليها، حيث أكد الباحثون على أن أفضل طرق منع الجريمة يقوم على إعادة بناء الظروف الاقتصادية والاجتماعية على النحو المثالي الصالح للعيش السوي، ورأوا أن معدلات الجريمة ترتفع حين تكون البنية الاقتصادية ضعيفة مع نمو البطالة والافتقار إلى الخدمات العامة، يضاف إلى ذلك أيضاً الجهل وتدني المستوى التعليمي للسكان، حتى أن بعض المحللين في علم الجريمة أكد أن المدخل الأساسي للسيطرة على الجريمة ومنعها أو ضبطها، له صلة قوية بما أصبح يعرف اليوم بالتحليل الاقتصادي للجريمة.

هذا الذي أكده الباحثون في علم الاجتماع والمتخصصون في نشأة الجريمة، استطاعت دبي تحقيق التوازن فيه، وهو ما نجده ويعلمه القاصي والداني من البيئة الصحية التي يستظل تحتها أبناء الوطن، وضيوفه من المقيمين أو السائحين الزائرين. فالاستقرار الاقتصادي كان الشغل الشاغل للاستراتيجيات التنموية التي تسعى إليها الإمارة، ولذلك فتحت أمام الجميع باب العمل والكسب المشروع والاستثمار، تحت قاعدة عريضة مفادها ( لكل مجتهد نصيب)، ثم رافق ذلك احتضان الإمارات لأكثر من مئتي جنسية، على اختلاف إثنياتها وعقائدها وثقافاتها وتوجهاتها وأحلامها وطموحاتها، ومع ذلك كان الجميع منضوين تحت عباءة النظام والتعايش والسلام الاجتماعي، لأن الفرص متاحة أمام الجميع وممارسة الحقوق الفردية أعلى الواجبات التي تؤمنها الدولة، ما دامت لا تتعارض مع مصالح الآخرين ولا تتصادم مع مصلحة المجتمع.

ولذلك كان السعي دائماً إلى العمل على تفعيل مبدأ الوقاية من الجريمة يتوازى، بل يفوق من حيث الأهمية العمل على كشفها أو ملاحقتها، عبر تأمين الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشجع الفرد على الإبداع والابتكار، وتبعده عن مهاوي الرذيلة والجريمة.

نقطة أخرى لا بد من التأكيد عليها، وهي لا تقل أهمية عن الجهود العظيمة التي تبذلها الدولة للحد من الجريمة وخطرها، وتتعلق بالمسؤولية الاجتماعية عن منع نمو مثل هذه الأخطاء بين الناس، وهي مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى، تفرضها الثقافة التي نشأ عليها الفرد والتي تدفعه إلى تجنب الوقوع في مصيدة اللامبالاة والهروب من المسؤولية أمام المجتمع. فالفرد لا يعيش في جزيرة منعزلة، وكل جريمة تقع على أحد ما، ولو كان بعيداً عنك، سيصل إليك رذاذها عاجلاً أو آجلاً، مهما حاولت النأي بنفسك عن حرّها. فالأمان مشترك والاضطراب مشترك، ومن الظلم أن يسهر الساهرون على أمننا في رسم خطط حمايتنا، ونقابلهم نحن بلا مبالاة تحاصر ثمارهم ونتائجهم.