هل انتهى دور أميركا البارز في العالم؟ هذا ما زعمته مؤخراً، مقالة نشرت في مجلة «نيويوركر» الأميركية، استنادا إلى مقابلات مع مستشارين رئاسيين. فقد وصفت النموذج الجديد لعلاقات الرئيس الأميركي باراك أوباما الخارجية، بأنه «يقود من الخلف»، نظرا للتراجع الأميركي الحتمي المفترض والتراجع المتزايد في شعبيتها.

 

. يقال إن الرئيس الأميركي يتفق مع الخبراء، مثل فريد زكريا وتوماس فريدمان، الذين غالباً ما حددوا معالم الأمور في عالم ما بعد أميركا. لكن إذا تخلت أميركا عن موقعها القيادي البارز في الخمس والستين سنة الأخيرة، ألن يبدو العالم إلى حد كبير مثلما كان عليه في الأيام السابقة للولايات المتحدة خلال عقد الثلاثينات من القرن العشرين؟

 

حينها شكّلت أميركا في مرحلة الكساد، قوة واحدة من العديد من القوى وترددت في تأكيد القيادة في الخارج.

 

قبل ثمانين سنة، كانت قوة يابانية ناشئة ومعادية للديمقراطية أضفي عليها الطابع الغربي، على غرار الصين الناهضة اليوم، تقتطع مجالات نفوذ آسيوية لا نزاع عليها.

 

. وادعت اليابان الإمبراطورية المتعطشة للنفط والمطاط والحديد، أنها كانت بحاجة إلى مزيد من الموارد الطبيعية للمضي قدماً في ثورتها الصناعية، ووسعت مجالاً سلطوياً من الازدهار المشترك في آسيا، كبديل للتحالف مع أميركا الراكدة اقتصاديا والمنسحبة نفسيا.

 

كان معظم الأميركيين حينئذ قد سئموا من الالتزامات الخارجية، وشعر أسلافنا أن تضحياتهم الكبيرة في الحرب العالمية الأولى، إما أنها ولّت دون تقدير، أو أنها حلت القدر القليل من المشكلات، على نحو لا يختلف كثيراً عن الطريقة التي استفادت بها أفغانستان والعراق والآن ليبيا.

 

كانت ألمانيا المتحدة والصاعدة، والتي أفعمت حديثاً بالثقة، تزداد غضباً إزاء البلدان الأوروبية الأخرى، وقد عانت من قائمة طويلة من المظالم المالية التي تقوم على الشعور بأنها مستغلة أو تعرضت لسوء المعاملة.

 

هل يبدو ذلك مألوفاً؟ أما بريطانيا وفرنسا الضعيفتان تقريباً، فلم تتحليا بالثقة في جيشيهما المتراجعين، وهو المشهد الحزين لعجزهما في ليبيا الذي شهدناه خلال الشهرين الماضيين.

 

والمؤسسات الدولية التي يتم التفاخر بها كثيراً، عصبة الأمم المفلسة، كانت فعالة في دور الرقيب على العالم، كما هي الحال اليوم بالنسبة للأمم المتحدة الفاسدة. وكانت أوروبا وأميركا تستيقظان من كابوس الإعسار المالي.

 

إن ما يسمى بالمجتمع الدولي، أولى قدراً من الاهتمام خلال عقد الثلاثينات بالدول العدوانية الشمولية الصاعدة في كل من ألمانيا واليابان وإيطاليا وروسيا، كما يوجه اليوم اهتماماً بالصين الصاعدة. وبعبارة أخرى؛ تمكن عالم ما بعد أميركا من أن يبدو مثل النسخة المثيرة للرعب، لما قبل أميركا العائد إلى سبعة عقود مضت. لماذا نرغب في العودة إلى ذلك؟

 

يصر الرافضون على أننا ليس لدينا اختيار. فقد نشرت العولمة القوة، واستنزفت أميركا مواردها، سواء الطبيعية أو المالية. وقيادة أميركا السابقة في الخارج تستحق قدراً من الاعتذار، بدلا من الاعتزاز.

 

فلنعتبر بريطانيا المتراجعة في مرحلة ما بعد الاستعمار عام 1946 نموذجنا، وليس أميركا الواثقة الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية، في عهد الرئيسين السابقين «هاري ترومان» و»دوايت ايزنهاور»..

 

لكن التراجع دائما ما يكون خياراً، وليس مصيرا حتمياً. فاحتياطيات أميركا من الوقود الأحفوري، كالغاز الطبيعي والنفط والفحم والصخر الزيتي ورمال القطران، تعد أكبر من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في العثور على مزيد من الطاقة، ولكن في شحذ الإرادة لاستخدام مصادر جديدة واسعة من الطاقة التي اكتشفناها أخيراً.

 

إن قوتنا العسكرية ليست أكبر من البدائل، ولكنها أكبر بكثير وأكثر فتكاً. ونظراً لضخامة حجم وإنتاجية الاقتصاد الأميركي، فإن لدينا الوسائل، ولكن ليست الإرادة، لسداد ديوننا الهائلة بسرعة. ففي عالم يعاني نقصاً في الغذاء، تعد أميركا أكبر منتج زراعي.

 

يهرم سكان الدول الصناعية الأخرى ويتناقص عددهم، أما سكان أميركا فما زالوا يزيدون. تتعرض أميركا للانتقاد على نطاق واسع في الخارج، رغم أنها لا تزال إلى حد بعيد الوجهة المفضلة للمهاجرين في العالم.

 

. ولا تزال ممارسة الشعائر الدينية المتنوعة نشطة في الولايات المتحدة، أما في الأماكن الأخرى، فإنها تتسم بالتحجر في أوروبا، وغير موجودة في الصين، وتواجه عدم التسامح في الشرق الأوسط.

 

وفي الوقت الذي تجتاح الإضرابات أو أعمال الشغب أو الثورات جنوب أوروبا والشرق الأوسط، تبقى الولايات المتحدة مستقرة وهادئة، رغم التنوع العرقي والجنسي والديني الشديد. ولا تزال العولمة في معظمها ظاهرة قوامها الابتكار والأصالة الأميركيان، رغم ترخيصها والتعهيد بها في الخارج.

 

كان هناك الكثير من البلطجية الذين هددوا جيرانهم على مدى السنوات الثلاثين الماضية؛ صدام حسين و«سلوبودان ميلوسيفيتش» و«مانويل نورييغا» وحركة طالبان، ولم يتم خلعهم جميعاً من الحكم إلا عن طريق القوة الأميركية.

 

فقد أفضت الحرب «الخاسرة» في العراق إلى حكومة ديمقراطية، وهي حتى الآن قادرة على البقاء محل الإبادة الجماعية. يعتبر الوضع في أفغانستان مثيرا للإحباط، لكن حركة طالبان ذات طابع العصور الوسطى، ظلت خارج السلطة لمدة عقد من الزمن تقريبا.

 

باختصار، كان العالم القديم في مرحلة ما قبل أميركا خطيرا وغير مستقر، كما سيكون في مرحلة ما بعد أميركا. لكن كلتا عمليتي التقليص كانتا خيارين صنعتهما أميركا غير الواثقة والكاسدة، وليست أعراضاً، حينها أو الآن، للضعف المتأصل أو التراجع الحتمي.