أعرف جيدا أن أي معركة ضد الرياضة خاسرة، وأعترف بأنني لست ضد الرياضة التي تهذب النفوس وتبني الأجسام والعقول، ما لم تخرج عن الأصول وتتسبب في هدر الأموال وإفساد العلاقة بين الأفراد والشعوب.

 

مناسبة هذا الحديث وفتح هذا الملف القديم الجديد، ما تردد من أنباء عن نية الاتحاد القطري لكرة القدم التعاقد مع «جوسيب غوارديولا» المدير الفني لنادي «برشلونة» الإسباني، أفضل فريق في العالم حاليا، وعن العرض الذي قدمته إدارة الاتحاد القطري لهذا المدرب، والذي قدر بحوالي 36 مليون يورو سنويا، وهو ما وصفته الصحف الرياضية والمواقع الإلكترونية بأنه خيالي.

 

. كما يدفعنا إلى ذلك أيضاً ما أعلنه نادي الوصل الإماراتي حول التوصل إلى صفقة مع اللاعب والمدرب الأرجنتيني الشهير «دييغو مارادونا»، للإشراف على تدريب فريق الكرة خلال الموسمين المقبلين، .

 

وإن كان النجم الأرجنتيني لم يفصح عن تفاصيل الصفقة التي أكد مسؤولو النادي أنها تليق بسمعة ومكانة الأسطورة الكروية التي لا تقيّم بالمال فقط، لأنه حالة خاصة في عالم كرة القدم ويشكل قيمة كبيرة.

 

أعرف جيدا أنني على وشك الدخول في منطقة ملغومة، وأعرف أن الرياضة خط أحمر يجب عدم الاقتراب منه، لكنني سوف أسلم بأن هذا الصرف المعلن وغير المعلن حتى الآن، والمبالغ فيه من وجهة نظري، .

 

وربما من وجهة نظر عدد من الناس لا يشكلون أغلبية، صرفٌ له ما يبرره في ظل ما شاهدناه مؤخرا من إدارة للصراع، يسميها البعض ذكية ويسميها البعض الآخر خبيثة، داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، انتهت بإعادة انتخاب السويسري «جوزيف بلاتر» رئيسا لدورة رابعة تنتهي عام 2015، وإقصاء وجوه كانت تنافس على منصب رئاسة الاتحاد.

 

مرة ثالثة، أعرف جيدا أن المقارنات وسيلة، يعتبرها البعض ذكية ويعتبرها البعض الآخر خبيثة، للالتفاف على المواضيع وتجنب المواجهات، لذلك سأحاول قدر الإمكان تجنب المقارنات، طارحا بعض التساؤلات، علها تساعد على الخروج من مأزق مواجهة جبهة الرياضيين الذين لا أضمن أن يتحلّوا جميعا بالروح الرياضية، فلا يخرج البعض منهم عن هذه الروح، .

 

وهو ما يحدث كثيرا في الملاعب التي يتحول بعضها إلى ساحات للمعارك، تفشل قوات مكافحة الشغب في فضها عندما يفوز فريق ويخسر آخر، ونشعر أننا قد اقتربنا من نهاية العالم.

 

سوف ننتقل إلى موضوع آخر ونطرح السؤال التالي: تُرى ما هو حجم الموارد المخصصة للبحث العلمي في العالم العربي؟

 

يجيب عن هذا السؤال التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية الذي أصدرته مؤسسة الفكر العربي مؤخرا، حيث يذكر التقرير أن المتوسط العربي للموارد المخصصة للبحث العلمي بالنسبة لإجمالي الدخل القومي (باستثناء السعودية وقطر.

 

وهما من أعلى الدول العربية إنفاقا على البحث العلمي) لا يتجاوز %0.2، بينما يبلغ في السويد واليابان وفنلندا حوالي %3.4، أي أن دولة واحدة من هذه الدول تنفق على البحث العلمي ما يعادل 15 ضعفا مما تنفقه الدول العربية مجتمعة!

 

أما على صعيد الاختراع، فإن عدد البراءات العربية المسجلة عالميا بين الأعوام 2005 و2009 لم يتجاوز 475 براءة اختراع، بينما بلغت في ماليزيا وحدها 566 براءة اختراع. وإذا اعتبرنا أن عدد سكان العالم العربي يبلغ نحو 330 مليون نسمة، وعدد سكان ماليزيا حوالي 26 مليون نسمة، .

 

فإن معنى هذا أن هناك براءة اختراع واحدة لكل 694 ألف مواطن عربي، بينما تسجل براءة اختراع واحدة لكل 46 ألف مواطن ماليزي! أي أن معدل الإبداع في ماليزيا يزيد 15 مرة عن معدل الإبداع في الدول العربية مجتمعة.

 

وعلى صعيد عدد الباحثين لكل مليون نسمة، وفقا للأعداد المتاحة الموثقة في بلد كمصر، فإنه يتبين وجود 650 باحثا لكل مليون نسمة، وهو من أعلى المعدلات العربية، بينما يوجد في كوريا الجنوبية حوالي 4600 باحث لكل مليون نسمة، أي أكثر من المعدل المصري بثماني مرات.

 

إحصاءات اليونسكو تقول إن الدول العربية أنفقت في العام 2010، أكثر من 60 مليار دولار على السلاح، في حين لم يتجاوز إنفاقها على البحث العلمي 60 مليون دولار.

 

وإن مجموع إنفاق العالم العربي على الأبحاث العلمية يبلغ ملياراً وسبعمئة مليون دولار سنوياً، أي ما يعادل إنفاق جامعة هارفرد الأميركية وحدها، في حين أن إسرائيل تنفق نحو ستة مليارات دولار في السنة. بصيغة أخرى؛ تخصص إسرائيل سنوياً أكثر من %4.7 من ناتجها العام للبحث والتطوير، مقابل 0.2% تخصصها الدول العربية مجتمعة،.

 

وهذا يعني أن نصيب المواطن العربي من ميزانية الإعداد للمستقبل لا يتجاوز 2 إلى 3 دولارات للفرد الواحد، في حين أنه يصل إلى 680 دولاراً في الولايات المتحدة، و601 دولار في اليابان، و410 دولارات في ألمانيا.

 

لذلك لا نستغرب إذا وجدنا نزيفا حقيقيا في العقل العربي، تمثله هجرة الأدمغة العربية إلى الخارج، حيث تظهر الأرقام أن %54 من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم،.

 

وأن %34 من الأطباء الأكفاء في بريطانيا ينتمون إلى الجاليات العربية، وأن مصر وحدها قدمت في السنوات الأخيرة نحو %60 من العلميين والمهندسين العرب في الولايات المتحدة الأميركية، .

 

كما شهد العراق هجرة حوالي 7300 عالم تركوا بلدهم بسبب الأحوال السياسية والأمنية، وأنه منذ العام 1977 وحتى الآن، هاجر أكثر من 750 ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة الأميركية!

 

هل تشمون رائحة مقارنة بين ما يصرف على الرياضة وما يصرف على البحث العلمي؟

 

وهل تبدو في الأفق معالم دراسة جدوى بين الصرف هنا والصرف هناك؟ يبدو أننا قد دخلنا المنطقة المحرمة وعلينا أن نخرج منها بالسرعة القصوى، مرددين مع زميلنا العزيز الإعلامي الرياضي كفاح الكعبي «روحك رياضية».