كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن «المواطنة» الحقيقية بعناصرها المتعددة ليس فقط بوصفها الشعور بالحب والولاء بل هوية وانتماء. هذا الحديث أضافت إليه مؤخراً الآلة الإعلامية الكثير مدفوعة بما أفرزته الثورات العربية من متغيرات أو ربما دفعا في طريق مرحلة جديدة من تاريخ المجتمع. الجدل الكبير الذي أحاط بمصطلح المواطنة سرعان ما حوله إلى لفظ عصي على الشرح والتفسير، بل حوله في بعض الأحيان إلى قضية مبهمة حتى على المثقف والناشط المدني الذي قد يعتقد بأن «المواطنة» مرتبطة بالسلطة والدولة أكثر من ارتباطها بالأرض والوطن. لذا تغير مؤخرا شكل ومفهوم بل والشعور بالمواطنة. فالكل يريد أن يعبر عن حبه وولائه ومواطنته بطريقة أو بأخرى والكل يريد أن يظهر عما يجول في دواخله من مشاعر وطنية وقومية.
البعض أثبت ولاءه للوطن بطريقة فيها الكثير من العفوية والبساطة، والبعض عبر عنها بطريقة فيها الكثير من التزلف وطلب المصلحة، أما البعض الأخر فعبر عنها بطريقة فيها الكثير من الالتفاف حول المكتسبات والمصالح الوطنية والوحدة الاجتماعية التي هي عنصر مهم من عناصر المواطنة. الكل يريد هنا أن يقول انه محق، والكل يريد شد الانتباه إلى تفسيره الأحادي «للمواطنة»، والغريب في الأمر أن التسابق لم يكن فقط بين المواطنين أنفسهم بل امتد السباق ليشمل المؤسسات المجتمعية المتعددة. ويبدو أن الجميع متفق على أن «للمواطنة» واجبات كما لها تبعات وينتج عنها حقوق وامتيازات، والجميع أيضا متفق أن «المواطنة» لم تأت من فراغ بل من شعور جارف والتصاق بهذه الأرض. ولكن هل الكل متفق على احترام الثوابت الأساسية التي تشكل القاعدة الرئيسية المتنوعة التي تقوم عليها الأمة؟ وهل الجميع مستعد لتقبل الاختلاف مع الآخر وتوسيع معنى المواطنة فقط قليلا ليتسع لكافة الأفكار والأطياف والألوان التي تنتج عن قوس القزح الذي يشكل مجتمعنا ؟ وهل التضحية في سبيل الوطن مادية أم معنوية؟
لم تخضع «المواطنة» يوما للمزايدة والرهان كما تخضع له في الوقت الراهن ربما بسبب المتغيرات العربية الأخيرة وربما أيضا لأن الكثير لا يريد فهمها إلا فهما أحاديا. فقد خضعت هذه الكلمة مؤخرا للكثير من التحريف وحملُت الكثير من الواجبات والتبعات وأخضعت للكثير من التحقيق والتفسير الذي يستحق أن نقف عنده وقفة صريحة لنعيد للمواطنة حقوقها الأصلية ومعانيها السامية لتحقيق ليس فقط المواطنة التي نتمناها ولكن تلك المواطنة الصالحة التي يستحقها وطننا.
فحتى وقت قريب تربعت هذه الكلمة على عرش جميع المصطلحات وصانتها كل الألسن ليس لأن الجميع كان يعرف قدرها وقيمتها بل لأنها هي السباقة بحفظ قيمة الجميع وقدرهم. كانت «المواطنة» تعني للمواطن حقوقا متناهية وامتيازات متتالية، حولت كلمة «مواطن» إلى كلمة مرادفة لكلمة الرفاه والاستقرار والأمن والطمأنينة على الرغم من أنها كانت في نظر البعض لا تعنى سوى رصيد مادي مفتوح. لقد حولت ضنك العيش إلى رفاه والكفاف الاقتصادي إلى مستوى معيشي متفرد عالميا. لقد وفرت للمواطن مزايا كثيرة ينفرد بامتلاكها بين الشعوب، وجعلت حياته حلما جميلا. لقد وفرت المواطنة ذلك للمواطن نظير شيء واحد كانت واثقة من أن المواطن لن يبخل به عليها، ألا وهو مبادلة ذلك الحب بحبا مثله والوفاء بوفاء على شاكلته. كانت «المواطنة» في ذلك الوقت تريد التجذر في النفوس وامتلاك نواصي العقل والقلب، وكان لها ما أرادت.
هذا الشعور الجارف بين الطرفين ساد حتى أصبح معروفا ومشهودا له بين كافة شعوب الأرض. فكم من قصيدة تغنت بتلك العلاقة الوثيقة بين الطرفين وكم من مقالة كتبت تمتدح تلك العلاقة الوطيدة وذلك الشعور الفياض بين الجانبين. فالمواطنة أصبحت تفتخر بمواطنيها تماما كما يفتخر المواطن بمواطنته. المراقبون الخارجيون فسروا ذلك الشعور بأنه مصلحة متبادلة بين الطرفين والبعض فسره بأنه واجب رب الأسرة تجاه أبنائه مهما كانت نوعية العلاقة، والبعض الآخر كان يرى فيه علاقة مؤقتة سوف تنتهي بانتهاء علاقة العطاء اللا متناهي للمواطنة. ولكن القليلين كانوا يرون فيه ما هو أبعد من ذلك. فالعلاقة المتميزة التي ربطت بين المواطن ومواطنته تجذرت في النفوس منذ أن وعي المواطن ماهية المواطنة وتبعاتها الحقيقية وما تتطلبه من واجبات وتضحيات، حتى أصبحت المواطنة شيئا مقدسا في النفوس حتى في غياب تلك المصلحة المادية التي كانت توفرها له. فلا مساومة على المواطنة ولا تنازل عن الأساسيات المشتركة التي تحكم تلك العلاقة.
ولكن كغيرها من الألفاظ والمصطلحات المستخدمة خضعت «المواطنة»، مدلولا ولفظا في الآونة الأخيرة للكثير من الضغوط بعضها مادي والآخر معنوي. فمعنويا ظهر ما يسمى بـ «المواطنة الصالحة» و« المواطن الصالح» وهي مصطلحات جديدة تعنى حتمية نشوء علاقة جديدة وصحية بين الطرفين قامة على اعتبارات جديدة. كما تغيرت الأوضاع العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية كثيرا عما كانت عليه قبل عقود. فماديا تقلصت قليلا مزايا المواطنة فلم تعد في ظل الضغوط الاقتصادية قادرة على تلبية كافة مطالب أبنائها، كما أخضع مفهوم المواطنة سياسيا لإعادة التفسير حتى يتواءم مع المتغيرات التي حصلت في المنطقة ككل. فكريا أخضعت «المواطنة» إلى تفسيرات عدة محاولة استجلاب مزايا أخرى مرتبطة بمفهوم المواطنة كالحريات المدنية المختلفة مثلا.
وساد الجدل بين المهتمين حول المفاهيم المرتبطة بالمواطنة حتى لم يعد قادرا على احتواء كافة الآراء والأفكار المتضاربة، الأمر الذي هدد الوطن و»المواطنة» التي أصبحت مثقلة بواجبات كثيرة تكاد تثقل وترهق كاهليها. وبدأ المواطن في إيجاد تفسيرات جديدة للمواطنة تتواءم مع المتغيرات المجتمعية دون الاكتراث بما قد تسببه هذه التفسيرات للآخرين، الأمر الذي خلق بلبلة اجتماعية.
المواطنة هي علاقة أزلية بين طرفين الوطن والمواطن، ولا يمكن فصل الاثنين، فلا وجود لمواطن دون وطن ولا مواطنة دون مواطنين. فإذا كانت المواطنة هي المعنى فالمواطن هو المعني. فهي الشعور والإحساس وهو الاستثمار المادي الواضح للمواطنة.
جامعة الإمارات