في الأيام الماضية كنت أشارك في لجنة مصغرة من الشخصيات العامة لإعداد قائمة أعضاء المجلس الوطني الذي يمثل تجمع الأحزاب والنقابات والهيئات فيما يشبه برلماناً شعبياً لقوى الثورة المصرية. كانت الصعوبة الأساسية التي واجهناها هي هذا الطوفان من التنظيمات التي تقول إنها تمثل شباب الثورة منها ما هو حقيقي وجاد، ومنها ما هو زائف ولا وجود له في الساحة. الزائف تم استبعاده، أما الحقيقي فكان يمثل نزعة هائلة نحو التشرذم والانقسام حتى بين أصحاب الفكر الواحد. هذه النزعة التي بدأت تفرض نفسها وتخلق مشاكل عديدة لقوى الثورة ومؤسسات الدولة الساعية للتفاعل معهم. وبقدر الانزعاج من الظاهرة، فإن من الظلم ان نحمل الشباب وحدهم مسؤوليتها. لقد اندلعت أحداث الثورة بمبادرة ألوف الشبان الذين فاجأوا أنفسهم وفاجأوا الوطن بهذه القدرة الرائعة على التنظيم والحشد، وبهذا الوعي باللحظة التاريخية التي فقد فيها النظام توازنه رغم المظاهر الخادعة لامتلاكه كل عناصر القوة التي تهاوت بسرعة رهيبة.

كانت المبادرة من الشباب، ومعهم بالطبع بعض طلائع المعارضة غير التقليدية التي كانت تتزايد في السنوات الأخيرة. لكن الثورة لم تستمر وتنجح بعد ذلك إلا بانضمام كل القوى الفاعلة في الشعب، ثم بانحياز واضح من الجيش منذ اللحظة الأولى لنزوله للشارع الذي ترافق مع انهيار جهاز الشرطة، ليصبح الجيش هو القوة المسلحة الوحيدة القادرة على الحسم، وليصبح إعلانه الالتزام بحماية المدنيين في تظاهرهم هو إعلان بالانحياز لهم، ودعوة لباقي المواطنين للانضمام إليهم دون خوف. ورغم مقاومة فلول النظام السابق ومحاولات البلطجة فقد كانت المعركة محسومة، وإن تأخرت النهاية بسبب بعض المماطلة من النظام السابق انتهت مع البيان رقم 1. بعد نجاح الثورة وسقوط رأس النظام، وجد الشباب أنفسهم في صدارة مشهد لم يكونوا مستعدين له، ولا كان غيرهم أيضاً مستعداً له بمن فيهم قيادة القوات المسلحة التي تولت مقاليد الحكم.

ولم تكن هناك إلا قلة من الشباب الذي ملأ الميادين ممن مارسوا الحياة السياسية، سواء في تنظيمات سرية (مثل الشيوعيين) أو دينية (مثل الاخوان المسلمين ) أو في الأحزاب السياسية القائمة والضعيفة للغاية، أو حتى حركات الاحتجاج مثل «كفاية» التي لم تستطع رغم أهمية دورها أن توسع عضويتها او تتحول إلى تنظيم فعال وبقيت في مكانها تبشر بالثورة وتوسع دائرة الاحتجاج. الغالبية العظمى من الشباب كانت بعيدة عن الممارسة السياسية، وكانت تعيش في مناخ يعاني من ظاهرتين خطيرتين : الأولى هي موت الحياة الحزبية، فكل الأحزاب (بمن فيها الحزب الذي كان حاكماً) لا وجود حقيقيا لها في الشارع، والسياسة ممنوعة في الجامعة والأندية والنقابات، بل وفي الأحزاب التي اكتفى معظمها بمقر وصحيفة، وترك الميدان لصراع بعيد عن السياسة الحقيقة بين الحكومة وأجهزة أمنها من ناحية، وبين الجماعات الدينية التي استقرت في المساجد واستغلت غياب الدولة من ناحية أخرى. الظاهرة الثانية جاءت مع طول البقاء في السلطة، ومع اختفاء مبدأ التداول، ومع بقاء جيل يمسك بمقاليد الحكم لثلاثين سنة، وكانت النتيجة سقوط جيلين على الاقل في الطريق، ثم فجوة هائلة بين حكام في الثمانينات وشباب في العشرينات.

ولعل الصورة الرمزية لهذه الفجوة أثناء الثورة كانت في صدام بين شباب «الفيس بوك» وراكبي البغال والحمير في موقعة الجمل الشهيرة!! هكذا كان المشهد بعد سقوط رأس النظام السابق، شباب لم يمارس معظمه السياسة بشكل تنظيمي من قبل، وتتباعد المسافة بينه وبين القيادات التي كانت تمسك بمقاليد الأمور في الحكم وفي المعارضة معاً، ويجد نفسه في صدارة المشهد. وحتى من مارسوا السياسة منهم واجهوا مأزقاً مع قياداتهم التي كانت في المعارضة ومع ذلك منعتهم من النزول للميدان في بداية الثورة، ولكنهم نزلوا متجاوزين التعليمات الحزبية مع الأحزاب المدنية ومتجاوزين مبدأ «السمع والطاعة» في الجماعات الدينية !!

من جانب آخر كانت هناك بعد الثورة - أضواء إعلام يسعى للتكفير عن ذنوبه السابقة، وكانت هناك محاولات خارجية للاستكشاف او الاحتواء، وكانت هناك اختراقات من فلول نظام سقط ولم يسقط، وكانت هناك محاولات لفرض إرادة قوى اكثر تنظيماً للاستحواذ على المشهد، وكان هناك غياب لرؤية سياسية موحدة لقوى الثورة لمواجهة تحديدات المستقبل، وكان هناك غياب للقيادة القادرة على لَمّ الشمل ووضع خريطة الطريق للجميع. وزاد من العبء ان الأحزاب القديمة مازالت على حالها من العجز، والأحزاب الجديدة بلا ملامح، ومؤسسات الحكم (سواء في المجلس العسكري أو في الحكومة) بلا تجربة سياسية هي أيضا، وهكذا كان على الشباب ان يمضوا في طريقهم بلا دليل، وبدون محاولة حقيقة حتى الآن لردم الهوة بين الأجيال، وبمحاولات ساذجة لاسترضاء أطراف منهم، بدلاً من السعي لدمجهم في الحياة السياسية بطريقة طبيعية، وفي تنظيمات سياسية تتوافر فيها ظروف الحوار الحقيقي ونقل الخبرات السياسية والتنظيمية من أجيال لأجيال أخرى.

والنتيجة هذا التشرذم والانقسام في صفوف الشباب، وسقوط البعض في غواية أضواء الإعلام، وافتقاد الكثيرين لخبرات العمل السياسي، وأخطاء عديدة ومتوقعه، لغياب الخبرة وضراوة الإغراءات، وضعف كل الأطراف على المشهد الحالي، ولأن الثورة أساساً لم تتحكم في السلطة حتى الآن. ماذا يعني كل ذلك ؟! يعني أن الأمر يحتاج لبعض الوقت وللكثير من الجهد حتى تستكمل الثورة انتصارها، وحتى يمتلك شباب الثورة أدواتهم للتحكم في الموقف. لكن ليس لنا أن نلومهم، إنهم ضحايا الاستبداد بالسلطة، وغياب العدل والحرية، وموت السياسة وتحريم الديمقراطية الحقيقة. ومع كل ذلك صنعوا المعجزة وفتحوا أبواب الخلاص، فلنتحمل بعض أخطائهم المشروعة، ولنعطهم كل المساندة لكي نعبر معهم هذه الفترة الصعبة إلى المستقبل الذي نرجوه جميعاً.

 

كاتب صحفي مصري