لا أحد يشكك في نزاهة القضاء غير أن هذا لا يعني أن القضاء منزه عن الخطأ، وما هو أشد من ذلك أن يكون الخطأ عن عمد وعدم العدل لغرض المحاباة لنسب هذا أو غنى ذاك. وقد ذكر التاريخ قصصا مثيرة حول نزاهة القضاء، وخاصة في صدر الإسلام. ولا أعظم عدالة من تلك التي جاءت على لسان أشرف الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم حين جيء إليه بامرأة سرقت أثناء فتح مكة، وأمر بإقامة الحد بقطع يدها.

وعندما تشفع لها أسامة بن زيد الذي كان الرسول يحبه حبا شديدا، رده الرسول الكريم ردا قاسيا وقام وخطب في الناس قائلا: (فإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

وهكذا سار تاريخ الإسلام على العدل والعدالة والمساواة دون تفرقة بين غني أو فقير أو بين الحاكم والرعية ولا بين الإمام على كرم الله وجهه وبين يهودي سرق درعا له فوقفا أمام شريح القاضي يحتكما إليه فيحكم هذا الأخير لليهودي ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين!

في زمننا هذا تحول القضاء إلى مهنة مربحة بعد أن كان مسؤولية وضمير ورد الحق لصاحبه. وأصبح الدخول إلى ردهات المحاكم أشبه بمغامرة يصعب الخروج منها مثلما صورها الروائي فرانز كافكا في روايته الشهيرة: «القضية».

وأصبح القضاء يحكم بما تشاء أهواؤه. وأصبح الظالم سواء كان غنيا أو ذا حسب في مأمن من العقاب والحساب الدنيوي.

ونحن هنا لا نتحدث عن القضاء الذي يمارس في أروقة المحاكم فحسب، وإنما بكل أشكاله ومواقعه. فهناك قضاء على مستوى الدول. ولكن، هل يمارس القضاء والعدل الدولي دوره بنزاهة؟ فهناك مجرمو حرب يعرفهم الجميع يمارسون إرهابهم ويخلفون مجازرهم منذ عام 1948 على مرأى ومسمع من الناس دون أن يجرؤ أحد على اتهامهم ومقاضاتهم ومحاسبتهم أو حتى ردعهم. بينما نفس تلك المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة تصدر القرارات تلو القرارات ضد غيرهم ممن لا يملكون نفوذ وسطوة الآخرين.

الغرب والأوروبيون يدعون أنهم بلدان ديمقراطية. وأنهم يحاولون أن يجلبوا لنا ديمقراطيتهم. لا بأس. ولكن كيف نسمي ديمقراطيتهم بتلك الصفة وهي تفتقر إلى أسس العدالة؟ لنضع المسألة على الطاولة: لماذا تحارب جمهورية إيران الإسلامية لمحاولتها امتلاك الطاقة النووية بينما تترك إسرائيل تفرخ قنابل نووية؟

لماذا يضرب حلف الناتو طرابلس بكل أنواع القذائف المحرمة في محاولة لمعاقبة نظام القذافي بينما لم تفعل نفس الشيء لتل أبيب للجرائم التي ارتكبتها أثناء غزو جنوب لبنان ثم قطاع غزة وما قبلهما وما سيأتي بعدهما؟ ألا تشبه جرائم القذافي جرائم أولمرت الذي قام بتصفية مستشفيات ومدارس وملاجئ الفلسطينيين العزل دون رحمة؟

لماذا لم يحاكم الرئيس بوش الأب والابن على جرائم الحرب التي مارساها في العراق وأفغانستان؟ لماذا أطلق القضاء الأميركي ودون محاكمة عادلة سراح الجنود الأميركيين الذين قاموا بتصفية عائلات عراقية كاملة دون وجه حق؟ لماذا يعاقب أي مسلم حتى ولو كان يحمل الجنسية الأميركية لمجرد (الشبهة) ولا يخلى سبيله حتى ولو لم تثبت عليه التهمة ويترك غيره؟

 لماذا يطالب الغرب ليل نهار بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي (شاليط) ولا يطالب بإطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين في سجون إسرائيل منذ عشرات السنين والذين يعيشون في أوضاع صحية وبيئية ونفسية سيئة جدا ودون الحصول على حقهم في تقديمهم للمحاكمة؟

لماذا يطلق الغرب صفة الإرهاب على مقاومة الشعوب ودفاعها عن حرياتها ضد الاستعمار والاستغلال ونهب الثروات بينما تطلق صفة الدفاع عن المصالح والأمن حينما توجه صواريخها ليلا إلى قرى أفغانستان والعراق النائمة؟ لماذا تطالب بتعويضات الأضرار التي لحقت بها بينما هي نفسها لا تقدم أي تعويضات للشعوب التي نهبت خيراتها واستعمرتها.

وكلنا تابع باهتمام مطالبات الدول الغربية بتعويض ضحايا طائرة البان أميركان 747 التي انفجرت أثناء تحليقها فوق قرية لوكربي الاسكتلندية. وقد نجم عن الحادث مقتل 259 شخصا بينهم بعض الضحايا من مدينة لوكربي. واتهمت ليبيا بتدبير الحادثة بناء على بعض الأدلة التي تم الحصول عليها.

وتساءل العديد من المحللين فيما لو أن الحادثة هي أصلا من تدبير وتخطيط المخابرات الإسرائيلية والأميركية. وفي النهاية أجبرت ليبيا على أن تدفع ثمنا باهظا. لكن كيف مرت دون عقاب، قضية الطائرة المدنية الليبية (بوينج 727) التي أسقطتها الطائرات الحربية الإسرائيلية بصاروخ عام 1973 على صحراء سيناء أثناء رحلتها من بنغازي إلى القاهرة وعلى متنها 113 راكبا قتلوا جميعا... أو الطائرة المصرية البوينج 767 التي أسقطت على سواحل الولايات المتحدة الأميركية عام 1999؟

كان من واجب العدالة الغربية أن تطالب بالتحقيق في مثل هذه الحوادث ومن ثم تعويض أهالي الضحايا كما طالبت بتعويض أهالي ضحاياها.

القضاء في كثير من الأحوال في حد ذاته في حاجة إلى محاكمة عادلة. وربما العدالة الأميركية هي في حاجة أكثر من غيرها إلى إعادة ترتيب أروقة المحاكم القضائية قبل أن ترمي بيوت الآخرين بالحجر. ولا أدل على ذلك من قضية المواطن الفرنسي ورئيس صندوق النقد الدولي السابق والمرشح القوي للرئاسة الفرنسية القادمة الذي خسر الرهان قبل بدايته: دومينيك شتراوس كان. فبعد أن حكمت عليه المحكمة بالتوقيف حتى يصدر الحكم، ووضع في زنزانة (تختلف عن غيرها)، تم الإفراج عنه بكفالة.

الكفالة عبارة عن مليون دولار فقط لا غير، وسمح له بالسكن في فيلا فخمة بكل وسائلها بحيث لا يشعر المسكين أنه في سجن كباقي المجرمين والمتهمين. ولأنه يملك نفوذا قويا ومالا وفيرا تمكن من العيش كأي فرد عادي يعيش في حرية مطلقة. أما إذا كنت مواطنا أميركيا عاديا أو زنجيا مغلوبا على أمرك لا تملك مليون دولار فما عليك سوى أن تقبع في زنزانتك حتى يحكم عليك، ولن تجد محاميا على مستوى بنيامين برافمان لكي يضمن لك الحكم بالبراءة والحكم على السيدة الأفريقية التي تعرضت للاغتصاب بالسجن لأنها تجرأت باتهام رجل أبيض غربي حر ويملك خزائن قارون.

ترى أي عدالة غربية هذه التي تطالبنا بتطبيق حقوق الإنسان في بلداننا قبل أن تطبقها في بلدانها؟

جامعة الإمارات