تزداد الأزمة السياسية في العراق حدة وتقترب ساعة الحسم مع اقتراب السابع من يونيو حيث الاستحقاق الزمني لمهلة المئة يوم التي ألزم رئيس الوزراء نفسه وحكومته بها للقيام بإصلاحات ملموسة تجري وفقها حسابات جادة تعقبها إجراءات ملموسة أيضاً. والحقيقة أن ما ذهب إليه رئيس الوزراء في هذا الشأن لم يكن متوقعاً في الأوساط السياسية وذلك لأن ما يتوافر لديه ولدى طاقمه من نوايا ومن قدرات متواضع وضئيل لا يسمح بتحسين الأوضاع في هذه المهلة القصيرة، بل قد يدفع بالبلد إلى المزيد من التقهقر. وهذا ما حصل بالفعل، فخلال هذه المئة يوم لم يستطع أحد تلمس ما هو إيجابي على أرض الواقع بل العكس هو الصحيح فالأوضاع شهدت تدهوراً على مختلف المستويات. فرئيس الوزراء كان طرفاً رئيسياً في تردي الوضع السياسي إلى درجة توشك أن تؤدي إلى انهيار العملية السياسية على خلفية التلكؤ بتنفيذ اتفاقية أربيل.

 وهي اتفاقية ذات تسع محاور تم التوصل إليها شهر نوفمبر من العام الماضي بين المالكي وعلاوي برعاية رئيس إقليم كردستان، والتي أنهت أزمة تشكيل الحكومة التي دامت ما يقرب من تسعة أشهر. ومن أبرز ما تضمنته الاتفاقية تشكيل مجلس السياسات العليا على أن يرأسه علاوي، تشكيل حكومة شراكة وطنية حقيقية وهو ما لم ينفذ. مما دفع بالقائمة العراقية التي حصلت على أعلى الأصوات في الانتخابات الأخيرة إلى الانتقال من موقع الانتظار الصامت إلى موقع الاحتجاج الغاضب وتصاعدت حدة لهجتها وأقدمت على تعليق حضورها جلسات الكتل السياسية وتجاوزت ذلك إلى التهديد بالخروج من العملية السياسية والدعوة لإجراء انتخابات نيابية مبكرة لكسر الجمود السياسي.

كما شهدت مهلة المائة يوم تردياً ملحوظاً في الوضع الأمني وبدأت أزمة النقص في الخدمات، خاصة الطاقة الكهربائية، تطل برأسها وبكل قوة في كل بيت خارج المنطقة الخضراء. وزاد الطين بلة توصل الكتل السياسية إلى توافق في مجلس النواب على تعيين ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية في تحد واستخفاف بإرادة الجماهير.ودخلت الأزمة بوابة جديدة حين توسعت دائرة الصراعات ودخل رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب في خلاف وجدل لا يخلو من حدة حول صلاحيات المجلس النيابي في تشريع القوانين من عدمه. وجاءت استقالة النائب الأول لرئيس الجمهورية من منصبه مؤخراً لتكشف عن حجم الأزمة التي تمسك بتلابيب العراق وحجم الصعوبات والعجز التي تواجهه لتلافيها.

فهل سيكون السابع من يونيو محطة حاسمة في مسار العملية السياسية؟ وهل سيكون الساسة العراقيون أوفياء لما أعلنوا عنه من مواقف؟، أم سيكون هناك سيناريو آخر للخروج من هذه الأزمة يرسمه من يمتلك من النفوذ ما يرغم هؤلاء الفرقاء للعودة للجلوس، وفق سياقات التفاهم والتوافق، حول مائدة المصالح الدسمة؟.

أزمة الحكومة مستمرة منذ الانتخابات النيابية الأخيرة قبل خمسة عشر شهراً بسبب ضعف بنيتها وترهلها وفقدانها للتجانس ولتباين النوايا والمشارب والأهداف لأعضائها وبسبب عدم وضوح موقفها من الاتفاقية التي ساعدت على انبثاقها، وهي اتفاقية أربيل.

خروج القائمة العراقية من العملية السياسية قد لا يؤدي إلى سقوط الحكومة ولكنه قطعاً يؤدي إلى سقوط العملية السياسية التي بنيت على مبدأ التوافق ويدفع بالأزمة إلى المزيد من التعقيد ويترك خيارين لا ثالث لهما أمام رئيس الوزراء: أولهما حل المجلس النيابي وفق آليات الدستور بعد أن يتقدم بطلب ذلك وإجراء انتخابات مبكرة تفرز خارطة سياسية جديدة تشكل حكومة جديدة في ضوءها، وثانيهما التوجه نحو إلغاء مبدأ التوافق الوطني وما ترتب عليه من آليات لم تجد لها طريقاً للتنفيذ على أرض الواقع والمباشرة بتشكيل حكومة أكثرية، كما أعرب في أكثر من مرة عن رغبته في ذلك.

وأمام كل من هذين الخيارين صعوات ليست هينة، فمن أجل تشكيل حكومة أكثرية على رئيس الوزراء أن يحافظ على تماسك التحالف الوطني الذي جاء به لمنصب رئاسة الوزارة من جهة، ويضمن عدم معارضة التحالف الكردستاني لذلك من جهة ثانية، ويستطيع مقاومة الإرادة الأمريكية التي لا تحبذ ذلك وهو أمر مشكوك فيه كثيراً، من جهة ثالثة. والحقيقة أن موافقة الحكومة على السماح لجيش المهدي بتنظيم العرض، المثير للجدل، الذي قام به قبل عدة أيام في بغداد يدخل في باب مغازلة التيار الصدري تحسباً لحاجة إليه لاحقاً في سياق الحفاظ على وحدة التحالف الوطني رغم ما كان لهذا الإجراء من تأثير على هيبة الدولة.

أما الأخذ بخيار حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة فهو الآخر طريق شائك، فللتكهن بمسارات العملية السياسية يتطلب التعرف على ما يمتلكه كل طرف من رصيد جماهيري. فرصيد اللاعبين الكبار اليوم لم يعد كما كان عشية الانتخابات النيابية الأخيرة، فهناك تحول في المواقف وتغير في الولاءات وهو ما عكسته الاحتجاجات التي شهدناها في الأسابيع الأخيرة. فعلى الرغم من أن معظم قادة الكتل السياسية قد خسر البعض من رصيده الجماهيري وتخلى البعض من جمهوره عنه أو أصبحوا أقل حماسة للاصطفاف إلى جانبه، إلا أن الخاسر الأكبر هو رئيس الوزراء، لأنه الرجل الأول الذي يقف في مواجهة العاصفة. لذلك ليس من صالحه اللجوء لخيار حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة.

وفي الوقت الذي تقترب فيه ساعة الصفر من موعدها تبذل جهود محمومة لتلافي انهيار العملية السياسية عبر نشاطات تجرى خلف الكواليس يصاحبها تصريحات متناقضة بعضها يبشر بقرب انفراج الأزمة وأخرى بضياع آخر فرص الخروج منها. وتتركز الاهتمامات على التصريحات التي تصدر عن المقربين من رئيس إقليم كردستان الذي يضطلع بدور بارز في مقاربة هذه الأزمة.