اشتكى اللاجئون الفلسطينيون خارج الضفة وغزة والقدس، من عدم إشراكهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية للسلطة الفلسطينية عامي 1996 و2006. قيل في حينه إن ذلك الاستبعاد لا يتناسب وحجم التضحيات التي قدمتها هذه الشريحة الواسعة جدا في مجرى النضال الوطني، ولا يليق بالمطلق بحركة تحرر تدافع عن وحدة شعبها مسارا ومصيرا.

غير أن رعاة اتفاق أوسلو وتوابعه، جادلوا وقتذاك بأن حصر المشاركة في القطاعات السكانية للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إنما وقع لكونها انتخابات لسلطة حكم ذاتي، لا يتعدى اختصاصها تلك المناطق، وأن ذلك لا ينتقص من كلمة اللاجئين وتمثيلهم في جهات الدنيا الأربع، من خلال دوائر منظمة التحرير، المهيمنة على أنشطة السلطة وصاحبة الولاية عليها ومرجعيتها العليا.

إبرام اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية (4/5/2011)، الذي كفل «إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية للسلطة الوطنية والمجلس الوطني بشكل متزامن»، ينطوي جدلا على وضع حد لمفهوم انتقائية القطاعات والمناطق المسموح لها بالترشيح والتصويت الانتخابيين.. فالمجلس الوطني هو المؤسسة التشريعية للمنظمة، المنوط بها تمثيل عموم الفلسطينيين، وينبغي لها أن تكون نتاجا لمشاركتهم السياسية وأصواتهم الانتخابية، داخل الأرض المحتلة وخارجها. لكننا نحاجج بأن التوافق على مبدأ انتخاب هذه المؤسسة بغرض إحيائها وإنعاش دورها شيء، وإمكانية تطبيق هذا المبدأ بحيثية المشاركة والتصويت المباشرين المُرضية لجموع اللاجئين خارج فلسطين المحتلة، شيء آخر.

والمؤكد أن هذا الهاجس ذاته قد راود قوى المصالحة، بما دفعهم إلى ردف النص على انتخاب المجلس الوطني تحديدا، بعبارة «حيثما أمكن ذلك.. ». فكأن إعادة تشكيل المجلس وتأهيله بالانتخابات العامة المباشرة، ما زالت معلقة على شرط الإمكانية؛ الذي يوارب الباب أمام احتمال تجدد التدافع والسجال القديم، بشأن مدى توفر هذا الشرط في بعض مناطق اللجوء والضيافة الفلسطينية.

هناك، والحال كذلك، مبررات للاعتقاد بأن قطاعات من اللاجئين قد لا تحظى بحقها الانتخابي، بناء على بعض المحاذير التي طالما سيقت لتسويغ غياب هذا الحق أو تغييبه، منذ نشوء منظمة التحريرعام 1964. لقد كان يقال، مثلا، كيف يتأتى لهؤلاء اللاجئين أن ينتخبوا مؤسستهم النيابية ديمقراطيا، وهم يعيشون بين أيدي نظم حاكمة لا تسمح لمواطنيها أنفسهم بممارسة هذا الترف، أو لا توجد لديها أصلا مثل هذه المؤسسة؟!.. ثم إن مثل هذه الانتخابات، إن كان إجراؤها ممكنا، ربما تسببت في إثارة منافسات سياسية بين أوساط اللاجئين، غير مضمونة العواقب على السلام الاجتماعي والواقع الأمني في بلدان الضيافة، بالنظر إلى الخلافات الظاهرة والباطنة بين القوى السياسية الفلسطينية.

واضح أن أصداء هذه االتساؤلات والأفكار ما زالت تتداعى في خواطر الطامحين إلى انتخاب المجلس الوطني. والنتيجة أن اللاجئين جميعهم لن يمارسوا حقهم الانتخابي للمجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي، كما لن ينال بعضهم هذا الحق بالنسبة لمجلس المنظمة الوطني.

على أن سواد اللاجئين ليسوا راهنا بالأريحية التي كانوا عليها سابقا، حين تقبلوا ذرائع اختيار ممثليهم في المجلس الوطني بالأساليب غير المباشرة، التي اضطلعت باجتراحها الفصائل المسلحة وتوابعها من التنظيمات المدنية. ثمة مؤشرات على أن جموع اللاجئين، الذين يراوح عددهم حول الستة ملايين نسمة، لن يتسامحوا مع مثل هذه الأساليب، وأنهم مستنفرون ضد محاولات الالتفاف على كلمتهم وأصواتهم.

ظهرت آيات هذا الاستنفار بأسرع مما نتصور. فمع أن الانتخابات المزمعة ربما لا تجرى قبل عام بطوله، فقد أعلن بعض دوائر اللاجئين والمنظمات المؤطرة لهم، عن تحرقهم للمشاركة المباشرة فيها، واستنكارهم أي توجه لحرمانهم من هذا الحق، تحت أية ذريعة أو حجة.

تجلت بواكير هذه الحالة لدى فلسطينيي الساحة الأوروبية، الذين أصدروا بيانا يحمل هذه المعاني. والمثير بهذا الصدد ليس فقط في إطلاق مبادرة الحنين إلى المشاركة السياسية الفاعلة من شريحة اللاجئين المنتشرة خلف أعالي البحار، وإنما أيضا في ما نلحظه من اصطفاف تنظيمي راق لهذه الشريحة.

وتقديرنا أن حسن تأطر اللاجئين في دول معروفة بريادتها لدعوات الديمقراطية وحقوق الإنسان، سوف يفسد نية استبعاد لاجئي أوروبا والولايات المتحدة من انتخابات المجلس الوطني المقبلة، لانتفاء موجبات الزعم بالصعوبات التنظيمية والإجرائية. وإذا عطفنا هذا التصور على انتشار الممثليات الفلسطينية التي يسهل تحويلها إلى لجان انتخابية في مختلف الدول والقارات، تأكدنا من منطقية نداء اللاجئين للمشاركة السياسية الانتخابية على الصعيد العالمي.

في إطار هذا المشهد، سوف يستعصي تماما على الفهم والقبول، احتمال استبعاد اللاجئين في دول الضيافة العربية، وهم الأكبر عددا والأكثر تنظيما واستنفارا واستعدادا للمشاركة في حدث سياسي فارق كانتخابات المجلس الوطني.

وفي ضوء حالة النزوع الديمقراطي الفوارة لدى مواطني هذه الدول، والتطور التقني الذي يتيح إمكانية «التصويت الالكتروني»، لا ينبغي لمتنفذ فلسطيني أو عربي معني، أن يفاجأ إذا ما جوبه ذات حين قريب بدعوة فحواها «كل اللاجئين يريدون المشاركة في الانتخابات».