في 27 مايو 2011، تعرضت القوات المؤقتة للأمم المتحدة في جنوب لبنان (اليونيفيل) إلى عبوة ناسفة، قرب مدينة صيدا في جنوب لبنان، أدت إلى سقوط تسعة جرحى منهم ستة من عناصر الوحدة الإيطالية وثلاثة مدنيين لبنانيين. فأثار الانفجار الذي استهدف قافلة سيارات عسكرية تابعة للكتيبة الإيطالية، قلقا داخليا وخارجيا خشية أن يعود جنوب لبنان مجددا منطلقا لتوجيه رسائل دموية، لأهداف إقليمية ودولية متشابكة.
لم يكن هذا الاعتداء الأول من نوعه، بل يندرج ضمن سلسلة من العمليات التي استهدفت قوات اليونيفيل منذ تمركزها على الأراضي اللبنانية بعد حرب إسرائيل على لبنان في يوليو 2006. فطالت أولى الاعتداءات وأعنفها عناصر من الكتيبة الإسبانية، التي تعرضت لعبوة ناسفة في سهل الخيام عند الحدود اللبنانية المتاخمة لإسرائيل في حزيران 2007، أدت إلى مقتل ستة جنود وجرح اثنين.
ثم عبوة ناسفة استهدفت القوة التنزانية عند جسر القاسمية، بعد نحو شهر من العبوة الأولى. واستهدفت عبوة ثالثة الكتيبة الإيرلندية في منطقة الرميلة في مطلع يناير 2008، وأدت إلى جرح جنديين من عناصر الكتيبة، في المكان نفسه الذي استهدفت فيه القافلة الإيطالية قبل أيام. لكن التحقيقات التي أجرتها السلطات اللبنانية بالتعاون مع قوات اليونفيل، لم تؤد إلى كشف الفاعلين حتى الآن، ولم يعتقل أو يعاقب أي من منفذي تلك العمليات المشبوهة.
طرحت العبوة الجديدة أسئلة عدة عن الخلفيات والدوافع والأهداف التي يراد منها ضرب الاستقرار في المنطقة، علما أن لبنان هو المتضرر الأول من هذا الاستهداف، الذي يطال مباشرة استقراره الداخلي ويجعله ساحة نزاعات إقليمية ودولية. مرد ذلك إلى أن لبنان يعيش أزمة مستمرة منذ 25 يناير2011، أثبتت عجز القادة اللبنانيين عن تأليف حكومة وحدة وطنية. ودلت معركة إدارة قطاع الاتصالات في لبنان خلال الأيام الماضية، على تشظي حكومة تصريف الأعمال، ووقوف القوى الأمنية في مواجهات متقابلة، كادت تؤدي إلى انفجار أمني يطيح بالدولة اللبنانية ووحدة مؤسساتها وأجهزتها الأمنية.
ويحمل الاعتداء على قوات اليونيفيل في طياته رسائل ضد بعض الدول الأوروبية، بسبب مواقف قادتها من الانتفاضات الشعبية في الدول العربية، وتحريض شعوبها على قادتها تحت ستار حق الشعوب في تقرير مصيرها، باستثناء إسرائيل التي تتحكم منفردة، وبدعم أميركي وأوروبي، في مصير جميع دول الشرق الأوسط، العربية منها وغير العربية.
أشارت تقارير دبلوماسية وصحفية بوضوح، إلى أن العقوبات الأوروبية التي طالت مؤخرا الرئيس السوري بشار الاسد شخصيا، تزامنت مع تصريحات إعلامية سورية شددت على أن الأوروبيين سيندمون على تلك الخطوة التي لن تغير كثيرا في ميزان القوى داخل سوريا، لكنها تهدد المصالح الأوروبية بصورة مباشرة في هذه المنطقة. مما يثير الشك حول الهدف الحقيقي من الانفجار الذي طال الكتيبة الإيطالية في جنوب لبنان، فهو ليس مجرد حدث أمني، بل سياسي بامتياز.
وتشير أصابع الاتهام مباشرة إلى أن إسرائيل قد استغلت التصريحات السورية، واستفادت من المظاهرات الشعبية التي تطالب بإسقاط النظام السوري، لتفجير المنطقة وربط مصير الشعبين اللبناني والسوري بالنظام الشرق أوسطي الجديد.
ندد الأمين العام للأمم المتحدة بالاعتداء واعتبره أمرا مؤسفا، خاصة وأنه وقع في اليوم العالمي لقوات حفظ السلام في الأمم المتحدة. وأبدى استعداد المنظمة الدولية لمساعدة السلطات اللبنانية على إنجاز تحقيق سريع عن الاعتداء، وإحالة مرتكبيه على القضاء. كما ندد به جميع القوى السياسية اللبنانية، ورفضت استخدام العنف ضد القوات الدولية. لكن إيطاليا بصفتها الدولة المعنية بالاعتداء، أصرت على سحب ستمائة من جنودها العاملين البالغ عددهم 1780 عسكريا، ضمن قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان. ونشطت دبلوماسيتها عبر قنوات الأمم المتحدة لإحلال قوات عسكرية من دول أخرى في أوروبا أو أميركا اللاتينية، لسد الفراغ الناجم عن انسحاب جزء من القوات الإيطالية.
نخلص إلى القول إن الاعتداء على قوات اليونيفيل يندرج ضمن مخطط مدروس لضرب الاستقرار في جنوب لبنان، وقد ترك آثارا سلبية على الساحة اللبنانية. وتوجهت أصابع الاتهام إلى إسرائيل التي تريد تغيير قواعد اللعبة في المنطقة، لكي تثأر من هزيمتها في حرب تموز 2006. فهي الدولة الوحيدة ذات المصلحة في ترحيل قوات اليونفيل عن الأراضي اللبنانية، وتتمتع بقدرات لوجستية لاختراق منظومة الحماية الأمنية لديها، وتعتمد أجندة واضحة في اختيار التوقيت السياسي الملائم لتوجيه رسائل أمنية تضر بمصلحة لبنان وشعبه. فمسؤولية حفظ الأمن في مناطق تجوّل قوات اليونفيل.
تقع على عاتق السلطات اللبنانية تحديدا. لكن غياب الحكومة اللبنانية ساعد على حشد المظاهرات الشبابية عند الحدود بين لبنان وإسرائيل، قرب قرية مارون الراس في ذكرى النكبة (15 مايو 2011)، والتي ذهب ضحيتها عشرون قتيلا وأكثر من خمسمئة جريح على أيدي القوات الإسرائيلية. وفي ظل الغياب المستمر للدولة اللبنانية وقواها المركزية، فإن توتر الوضع الأمني في مناطق عمل اليونفيل، يمكن أن يؤدي إلى صدامات عسكرية لا يمكن تقدير النتائج التي ستترتب عليها.
إن قوات اليونيفيل شاهد على العدوانية الإسرائيلية على لبنان، وتواجدهم على أرض الجنوب يفضح ممارسات إسرائيل اليومية، جوا وبرا وبحرا، ضد لبنان. ومن أولى واجبات القيادات السياسية اللبنانية، أن تسارع إلى التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، قادرة على حماية لبنان واللبنانيين في هذه الظروف الإقليمية والدولية المتوترة جدا. فالجميع يدين الهجوم على تلك القوات التي تلعب دورا مهما في المحافظة على السلام والأمن في جنوب لبنان، تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 1701.
وبالتالي، فالاعتداء على القوة الدولية هو اعتداء على أمن لبنان واستقراره وسيادته، وهو يخدم مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، لأنه يدفع قيادة اليونيفيل إلى التخلي عن دورياتها اليومية لرصد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سيادة لبنان، وتقديم تقاريرها اليومية إلى مجلس الأمن. كما أنها تظهر عجز اللبنانيين عن مواجهة مخططات مشبوهة تحاك ضد لبنان وشعبه، وتظهر عجز السلطات اللبنانية عن حماية تنقلات القوات الدولية ضمن الأراضي اللبنانية.