لم يعد الخلاف بين رئيس الحكومة اللينانية المكلف نجيب ميقاتي، والجنرال ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر ورئيس كتلة «التغيير والإصلاح» النيابية، خلافاً في الرأي، أو تبايناً عادياً في وجهات النظر بين قطبين سياسيين، بل استحال صراع وجود بين مدرستين سياسيتين، يتداخل فيه العنصران المذهبي والمناطقي، بما لا يسمح بتوقع حلول مرضية لهذا الصراع المفتوح والمتزايد حدة.

فما هي البواعث والأسباب خلف هذا الانهيار في العلاقة؟

العارفون بالأمر يعيدون الاحتدام الكبير إلى جملة أسباب، في طليعتها:

أولاً؛ يريد الجنرال عون من الرئيس المكلف أن يعترف به، كما يفعل «حزب الله»، ممثلا وحيداً للمسيحيين والموارنة، على حساب سائر الفعاليات المسيحية الأخرى، بدعوى أنه صاحب أكبر كتلة نيابية مسيحية في المجلس النيابي (27 نائباً)، تضم القسم الأكبر من النواب الموارنة، فضلاً عن أنه حليف قطبين مسيحيين أساسيين، هما الوزير السابق سليمان فرنجية والوزير السابق إلياس سكاف. أما ميقاتي فيحرص على استمرار علاقاته المتوازنة، مع الرئيس الأسبق أمين الجميل والدكتور سمير جعجع والوزير بطرس حرب وسائر قيادات 14 آذار من الرموز المسيحية.

ثانياً؛ يصر العماد ميشال عون على حقه الحصري في تسمية الوزراء الذين سيمثلونه في الحكومة الجديدة، وعلى اختيار الحقائب التي يراها مناسبة، وفي طليعتها حقيبة المال (المعتبر في العرف السياسي أنها تعود إلى رئيس الوزراء أو من يختاره)، وحقيبة التربية. في هذا المجال يصر الرئيس ميقاتي على حقه الحصري، بالتشاور مع رئيس الجمهورية في تسمية الوزراء والحقائب التي يشغلونها، عملاً بمنطق الدستور والأعراف القائمة. ويرى ميقاتي أنه لن يكرر السابقة التي أقدم عليها الرئيس سعد الحريري، حين ارتضى أن يسمي الجنرال عون الوزراء الذين يمثلونه، فبدا كما لو كان شريكاً أصيلاً في تشكيل الوزراء.

ومعلوم أن وراء إصرار ميقاتي على حماية حقه في اختيار الوزراء، رغبة في التأكيد على صلاحيات الطائفة السنية في تركيبة الحكم، في وجه من اتهمه سابقاً بأنه قد يفرط فيها من جراء تسمية «حزب الله» له لتشكيل الحكومة، حتى اعتبر لدى معارضيه بمثابة «الرجل المقنع» لحزب الله، أو «حصان طروادة» داخل الطائفة السنية.

ثالثاً؛ يتطلع العماد ميشال عون من وراء إصراره على اختيار أقرب معاونيه وزراء، إلى تأليف تشكيلة حكومية موالية له، تشرف على إجراء الانتخابات النيابية سنة 2013 والانتخابات الرئاسية سنة 2014.

ولما كان الجنرال يمني النفس بحيازة أكبر تكتل مسيحي من جديد في المجلس النيابي المقبل، كما يمني النفس بالوصول إلى رئاسة الجمهورية التي فاته الوصول إليها في المرة السابقة مع اختيار العماد ميشال سليمان توافقياً في قمة الدوحة، لذلك يصر عون على انتقاء الوزراء الذين يعتبر أنهم الأكثر وفاء له.

رابعاً؛ يغتاظ العماد عون من التحالف الوثيق الذي يجمع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، ويعتبر أنه تحالف موجه ضده في الأساس، بسبب الحالة السيئة التي تتسم بها علاقة عون برئيس الجمهورية، الذي ينظر إليه عون باعتباره قليل المبادرة وكثير الخضوع للضغط الأميركي الأوروبي، وغير موثوق فيه بالنسبة إلى القيادة السورية. وإذا كان صحيحاً أن الرئيسين لا يكنان الود حيال عون ويرتابان من سلوكه السياسي، فمن الصحيح أيضاً أن العلاقة بين سليمان وميقاتي ترتد إلى أسباب أخرى، منها أن ميقاتي تسووي كسليمان، ومعتدل كسليمان، وصاحب علاقات متوازنة مع العالمين العربي والغربي كسليمان أيضاً.

خامساً؛ يعتبر العماد عون أن الحكومة المقبلة ستكون الحكومة الأخيرة في عهد سليمان الذي دخل نصفه الثاني، وأنها ستتولى شغل الحقائب الرسمية التي خلت من مسؤولين أصليين، كالمديرين العامين ورؤساء المصالح والدوائر ومؤسسات الدولة السياسية والأمنية (بينها حاكمية مصرف لبنان ورئاسة الجامعة اللبنانية وعدد كبير من موظفي الفئة الأولى). لذلك يصر عون على حكومة شديدة التعاطف مع تياره السياسي، حتى يستطيع أن يشغل هذه المناصب بقيادات موالية له، أو غير معادية على أقل تقدير.

سادساً؛ يتطلع عون إلى إحراج النائب وليد جنبلاط وقيادة «حزب الله»، حتى يوافقا على نهجه المعارض بشدة لرئيسي الجمهورية والوزراء، الأمر الذي لم يحصل بعد، ولا يتوقع أن يحدث في أمد منظور.

إلى هذه الأسباب الرئيسية، ثمة أسباب فرعية أو أقل جوهرية. فكيف تستقيم العلاقة مع هذا الكم من الحسابات المتعارضة؟