لسنا من أصحاب القول بالمطلق إن التاريخ مؤامرة متصلة الحلقات، غير أن التاريخ إن لم يكن مؤامرة فهو ليس فردوسا للأطهار، كما أن تاريخ الأمم لا تحدده النوايا الطيبة، وإنما إدراك موضوعي صادق للحقائق الميدانية، وموازين القوى التي تحكم لعبة الأمم.
لم إذاً هذا الحديث الآن؟ ربما لأن هناك خطرا يقترب من العالم العربي بخطى حثيثة، يسعى إلى تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، وإلى خلق كيانات قطرية عربية جديدة، ما يعيد للأذهان «سايكس ــ بيكو» الأولى، في طبعة ثانية أكثر خطورة ووعورة.
في إحدى رواياته يكتب الروائي الروسي الكبير «أنطوان تشيخوف» قائلا: «إذا ذكرت في الفصل الأول لرواية أن هناك بندقية معلقة على الحائط، فلا بد لها أن تنطلق في الفصل الثاني أو الثالث على الأرجح». وبالقياس، إذا رأيت جنوب السودان، ثم كردستان ينفصلان اليوم، فليهيئ الناظر نفسه ومن أسف شديد، لتكرار النموذج في أكثر من دولة عربية.
هل ما نقول به رجم بالغيب؟ الشاهد أن ما يجري على صعيد العالم العربي من ثورات وفورات، وإن كانت مخلصة النية، إلا أن هناك من يتربص بها، ويعمل على استغلالها، دون وعي من أصحابها، من أجل إعادة تصميم خريطة المنطقة، وليس تغيير الأنظمة أو تبديل الحكام فحسب.
تكتب صحيفة «هآرتس الإسرائيلية» بتاريخ 25 مارس المنصرم، تقول: «في السنوات القريبة المقبلة، ستظهر على خريطة المنطقة أعلام دول مستقلة جديدة أو متجددة؛ جنوب السودان، كردستان، فلسطين، الصحراء الغربية التي ستنفصل عن المغرب، جنوب اليمن المستعاد.. وإمارات أخرى كثيرة ستنفصل عن المراكز العربية التقليدية»..
هل من شاهد يؤكد صحة هذا الحديث؟ بالقطع نعم، وليبيا خير مثال على ذلك، بعد أن باتت منقسمة بين منطقة شرقية «شرينكيا»، وأخرى غربية ناحية طرابلس وتخومها. في هذا الإطار يتساءل عدد من المراقبين للمشهد الليبي: هل ما يجري هو مقدمة انفصال ليبيا إلى دولتين؟
البعض ذهب في تحليله إلى القول إن انضمام القوى العظمى الغربية للحرب إلى جانب الثوار، يدل على أنها تريد أن تخلق منطقة فاصلة تحت تأثيرها، بجوار الحدود المصرية، التي قد تصبح جمهورية إسلامية معادية للغرب، دولة تقترب نوعاً ما من الصيغة الدينية لمصر الناصرية.
لماذا لا يصدمنا هذا الحديث؟ ببساطة ومن دون تهوين، لأن ما يجري الآن مشار إليه منذ وقت طويل، من أجل تحويل العالم العربي إلى «فسيفساء ورقية»..
هذه الخطة عبر عن مكنوناتها مؤخرا «برنارد لويس» المؤرخ البريطاني الأصل، والداعم الإيديولوجي الأول للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، فقد صرح في إحدى مقابلاته الإعلامية، بأن: «العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، .
وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر، بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات، وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم، هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافاتهم الدينية، وتطبيقاتها الاجتماعية». هل من تفصيلات عملانية أكثر من «التوجه الاستراتيجي» الذي كتبه لويس، الكاره في غير حد أو مد للعرب والمسلمين؟
ليرجع القارئ إلى موقع «مجلة القوة العسكرية» الأميركي، وهناك سيجد خريطة جديدة لتقسيم العالم العربي والشرق الأوسط، مرفقة بمقال لأحد الجنرالات الأميركيين «رالف بيتر»، وعنوانه «حدود الدم»، وفيه شرح شافٍ ووافٍ لما ينتظر دولا عربية عدة، من تقسيمات ونشوء دويلات جديدة..
ماذا عن مصر في سيناريوهات «الفتنة الكبرى» هذه؟
تبقى مصر محور ارتكاز للعالم العربي والإسلامي، والمؤامرات لا تنفك من حولها، ففي مقال للباحث الاسكتلندي «توماس براوزن» الخبير في شؤون الشرق الأوسط، نشرته صحيفة «غلاسكو هيرالد» الاسكتلندية، نقرأ عن إرهاصات خطط لمحاصرة مصر ثم التهامها عسكريا، والمقدمة الطبيعية التي يمكن أن تمهد لذلك، هي إحداث وقيعة بين المصريين أنفسهم، أهلية، ثم طائفية، وصولا إلى صدامات بين الشعب وقواته المسلحة.
هل من مستفيد من هذا التقسيم المريب؟
الجواب في كلمة واحدة؛ هي إسرائيل، لاسيما وأن السياسة الخارجية الإسرائيلية بنيت دوماً، وحتى قبل قيام الدولة، على الخصومات بين الجيران العرب والمسلمين. والوحدة العربية الإسلامية تعتمد بقدر كبير على العداء لإسرائيل، التي فضلت لهذا الغرض الوطنيات المنفصلة لجيرانها، وكلما كانت هناك دول أكثر عددا، وأقل قوة وترابطا في محيطها، ستسهل على إسرائيل المناورة بينها، وإحداث ما تشاء بها من وقيعة.
وفي نفس الوقت، تبقى الولايات المتحدة وبريطانيا في مقدمة المستفيدين استراتيجيا من هذا السيناريو البغيض، والذي هو من دون مغالاة، سايكس ــ بيكو ثانية.
سيناريو «الفسيفساء الورقية» يدق أبواب العرب، بأيادٍ مضرجة بالدماء، لكن السؤال: حتى متى تبقى هذه المنطقة راكعة مستسلمة لأقدار سيزيفية حمقاء؟
طرح القضايا دائما وأبداً يبدأ من الذات، وليس من الآخرين.. فم إذا نحن فاعلون؟