المشاهد التي تبثها القنــوات الفضائيــة عن ضربات الناتــو للجمهــورية الليبيــة تعيدنا إلى الوراء ثماني سنوات مضت. بالتحديد في 20 مارس 2003. عندما هاجمت الطائرات الأميركية وحلفاؤها بغداد بشتى أنواع القنابل التي كانت تضيء سماءها بألوان برتقالية وحمراء وفوسفورية.
واليوم يتكرر المشهد ذاته ولكن على بعد بضعة آلاف من الكيلومترات من عاصمة الرشيد: في عاصمة عربية أخرى: طرابلس، عاصمة عمر المختار. وما بينهما كانت كابول المسلمة ثم جاءت قنابل إسرائيل لكي تضيء بنفس العنف والنبرة والحقد سماء بيروت، ثم قلبت الاتجاه بعنف مماثل نحو مدينة غزة، وكانت طهران وما زالت تنتظر نفس المصير.
لا أحد يختلف على بشاعة واستبداد نظام العقيد القذافي، ولا على ما فعله هذا النظام بشعبه وثروات بلاده على مدى عقود أربعة مضت، ولا يختلف أحد على ضرورة رحيل هذا النظام وإعادة إحياء وبناء ليبيا من جديد حتى تعود ثروات الوطن للشعب، ولكن ماذا يحدث الآن هناك في ليبيا؟
القضية أصبحت واضحة كالشمس. ولم يعد هناك اليوم مجال للتأويلات والتحقيقات والتفسيرات والتحليلات السياسية التي تبحث عن أشياء غير موجودة. الصراع يحمل رائحة الحقد على المسلمين والعرب أينما كانوا، في أفغانستان أو العراق أو لبنان أو فلسطين أو ليبيا وحتى في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. ومن المؤكد أن سوريا قد وضعت على القائمة التدميرية القادمة لعام 2011.
وعندما ندقق، نرى أنه رغم فظاعة الأنظمة الأوروبية الشرقية في يوم من الأيام إلا أن الغرب لم يجرؤ على التدخل بهذه الحماسة والقوة لإنقاذ الشعوب المسيحية من الأنظمة الاستبدادية، أو اللهم بشيء من الخجل والتردد. بينما عندما تتعلق المسألة بالعرب والمسلمين فإن استخدام القنابل المشعــة والمناظير الليلية وتصوير إصابة الأهداف من الطائرات الحربية باستخدام تقنية الأشعة تحت الحمراء والصفراء تصبح أمراً عادياً. فهؤلاء العرب والمسلمون لا علاج لهم إلا الكي.
وكما نشاهد، فإن الضربات التي يوجهها الناتو لطرابلس خرجت عن حدود الضغط والترهيب لإجبار الرئيس القذافي على الرحيل، لتصبح عملية استعراض للقوة العسكرية للغرب. ولا نرى أحدا يتحدث عن الضحايا من المدنيين الأبرياء على يد قوات التحالف الجديد بل عن ضحايا المعمر القذافي الذي بسبب تعنته جر بلاده إلى ما جره صدام من قبل على شعبه.
الموضوع اليوم خرج عن استهداف القذافي ليتم التحدث عما يضمره الناتو باستخدامه القوة المفرطة لدعم ثورة الشعب الليبي الذي بات يعاني من السندان والمطرقة.
بالطبع نحن متعاطفون مع الشعب الليبي الذي ذاق الأمرين على مدى أربعين عاما من الحكم غير العادل. ونتفهم أنه لم يعد للشعب الليبي من حل سوى القبول بفلسفة : الغاية تبرر الوسيلة. غير أن الشعب الليبي غافل أو متغافل عما يحاك لمستقبله. الضربات التي تشنها دول الغرب إنما هدفها وهذا متفق عليه - تأمين آبار النفط الموجودة تحت صحرائه لمد مصانعه وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا التي تعاني هذه الأيام من أزمة اقتصادية خانقة، أو لتأمين نجاح هذا المرشح على حساب ذاك المرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة.
الكل يعلم بأن أفلام العنف هذه أثبتت جدواها من قبل لكسب تصويت الشعب للبطل الذي يحارب على الجبهة البعيدة لتحرير الشعوب المغلوبة. وربما يغفل أو يتغافل الشعب الليبي والشعوب العربية بأن ضربات الناتو لطرابلس إنما هي ضربات تأديبية لكل الشعوب الإسلامية والعربية على حد سواء، تماما كما فعلت الولايات المتحدة في العراق.
إن صدام الحضارات بلغ مرحلة من التطور الطبيعي إلى درجة أنه لم يعد أحد قادر على إيقافه بعد أن تحول إلى صراع إسلامي ـــ مسيحي ـــ بتخطيط يهودي. ولا أحد يستطيع أن ينكر دور اللوبي الصهيوني في معظم دول الغرب امتدادا من الولايات المتحدة إلى بريطانيا إلى فرنسا، وهي دول ذات نفوذ، في تأجيج هذا الصراع بغرض استنفاد طاقة المسلمين حيثما وجدوا.
الشعب الليبي يدفع اليوم ثمنا غاليا للحصول على حريته. وهذا الثمن سيظل يدفعه فيما يبدو مدى الحياة. فإذا ما انتصر الناتو على نظام القذافي، فهناك فواتير باهظة سوف تقدم إلى الحكومة الجديدة وعقود يبدو أنها موقعة مسبقا بين الطرفين تلزم الأول بتطبيق وصاية الثاني حتى تسود الديمقراطية والأمن. وهذا ما حدث للعراق. فلم يخرج الوصي ولم تدخل الديمقراطية ولم يستتب الأمن.
ولكن السؤال هو هل بإمكان الشعب الليبي انتظار موت العقيد القذافي وأحفاده حتى ينعم بالديمقراطية والاستقرار؟
إنها مأساة شعب، كباقي شعوب الأمة العربية والإسلامية، لا حول له ولا قوة.