كنت من بين الأقلية التي قالت «لا» في الاستفتاء الذي شهدته مصر في مارس الماضي علي التعديلات الدستورية. لم يكن الاعتراض علي التعديلات في حد ذاتها التي أعدتها لجنة ترأسها الصديق العزيز والقاضي المحترم طارق البشري، ولكن الاعتراض كان على النهج الذي تدار به الأمور، والذي يتسم بالتعجل الشديد وبالخطأ في ترتيب الأولويات، وبعدم الدقة في تقدير الموقف. فلم يكن معقولاً من وجهة نظرنا- أن تجري انتخابات برلمانية خلال ثلاثة شهور بعد الثورة -تم تعديلها بعد ذلك الى ستة-.

ولم يكن مقبولاً ان تتم الانتخابات في ظل الدستور القديم الذي أفتى البعض بأنه سقط، وبالتالي فإن التعديلات عليه لا مكان لها، ولم يكن مناسباً، وفقا للترتيبات التي يقررها الاستفتاء أن تجري انتخابات لمجلس الشعب، ثم انتخابات لمجلس الشورى ثم انتخابات لرئيس الجمهورية خلال بضعة شهور (كان مقرراً ألا تزيد على ستة شهور ثم تقرر مدها لتكون تسعة)، ثم بعد ذلك يتم إعداد الدستور والاستفتاء عليه، لنجد أنفسنا أمام دورة جديدة من الانتخابات لرئيس الجمهورية ومجلس الشعب ومجلس الشورى إذا لم يقرر الدستور إلغاءه.

كان المنطقي ـ من وجهة نظرنا ـ أن نقوم أولاً بإعداد الدستور خلال فترة تمتد لستة شهور أو أكثر، نكون خلالها قد رتبنا الكثير من الأمور الداخلية واستعدنا الأمن، وأصدرنا القوانين الجديدة الخاصة بالأحزاب والانتخابات، وتبدأ القوي السياسية والأحزاب الجديدة في تنظيم صفوفها. وبعدها ندخل في عمليات الانتخابات، لتكتمل العملية الدستورية خلال عام. وللأسف الشديد تم التلاعب بمشاعر الناس في عملية الاستفتاء.

وتم خلق مناخ سيئ لتصوير الاستفتاء بأنه معركة بين الإسلام وأعدائه، وبأن «نعم» تعني نصرة الدين الحق، أما «لا» فهي اختيار الملاحدة والكفار، واحتفل البعض بنتائج الاستفتاء باعتبارها (غزوة الصناديق!) وامتد الشحن الديني بعد ذلك ليقود إلى أحداث طائفية خطيرة، وهو الآن يستثمر لمنع أي محاولة للتوافق الوطني على وسائل اجتياز الفترة الصعبة القادمة دون ان تتطور الخلافات في الرأي الى انقسامات عميقة في جسد قوى الثورة. وفقا للبرنامج المطروح من المجلس العسكري الحاكم فإن الانتخابات البرلمانية ستجري بعد ثلاثة شهور. والبرلمان الجديد هو الذي يشكل اللجنة التي تضع الدستور الجديد. والانتخابات الرئاسية ستجري قبل نهاية العام وبعدها تتفرغ القيادة العسكرية لمهامها الأساسية بعد أداء مهمتها في قيادة المرحلة الانتقالية. وأمام هذه السيناريو عدة عقبات.

فالقانون الجديد لمجلس الشعب والشورى لم يصدر، وبالتالي فلا أحد يعرف حتى الآن إذا كانت الانتخابات البرلمانية التي ستجري بعد ثلاثة شهور فقط ستكون بنظام القائمة ام بالنظام الفردي ام بنظام يجمع بين الاثنين، والجهود لاستعادة الأمن تتواصل، ولكن هل تتحمل عبء انتخابات ستكون قاسية بلا شك بعد ثلاثة شهور فقط؟ ثم ماذا ستفعل عشرات الأحزاب الجديدة ومعظمها من الأجيال الجديدة التي مازالت تحتاج للخبرة وتفتقد القدرات التنظيمية والمالية؟ والأهم من ذلك هو المخاوف من ترك مسؤولية وضع الدستور الجديد في يد لجنة يختارها برلمان يخشى كثيرون أن يأتي من خلال انتخابات تعيد للأذهان ما تم في «الاستفتاء» ويحكمها مرة أخرى منطق «غزوة الصناديق»!

معظم القوى السياسية تقف الآن مع تأجيل الانتخابات البرلمانية والبدء بإعداد الدستور وإقراره قبل الانتخابات. الأحزاب القديمة والجديدة والشباب الممثل للثورة مع هذا الاتجاه الذي تعارضه جماعة الإخوان المسلمون والجماعات السلفية. وفي الأسبوع الماضي انضم رئيس الوزراء عصام شرف الى مؤيدي تأجيل الانتخابات والبدء بإعداد الدستور ولكن تصريحاته التي أدلى بها في برنامج تلفزيوني حجبت بعد ذلك، وظهرت بدلاً منها تأكيدات من أعضاء في المجلس العسكري بأنه لا تغيير في البرنامج الموضوع ولا تأجيل للانتخابات، وبأن المجلس العسكري يريد أن ينهي مهمته الاستثنائية في الموعد الذي قرره العام، وبأنه ملزم بنتائج الاستفتاء.

والخلاف لن يحسم بسهولة، والانقسام الذي شهدته ميادين التحرير أول أمس سيستمر، والأمل ألا يتم تحويل الخلاف الذي يدور علي قضايا سياسية ودستورية إلى «غزوة» أخرى يستخدم فيها الدين وتعلو لغة التكفير، فهذا خطر لا يفوقه إلا خطر آخر هو محاولة توريط الجيش في هذا الصراع السياسي، وجعله طرفاً في المعركة، واستغلال جهات مشبوهة الموقف للوقيعة بينه وبين قوى الشباب، أو تصوير موقفه النابع من قلة الخبرة السياسية ومن الرغبة في إنهاء الفترة الانتقالية بسرعة على أنه انحياز لطرف وتمهيد الطريق أمامه للامساك بمقاليد الأمور في النظام الجديد.

التوافق مطلوب، والخلاف لا ينبغي مطلقاً أن يتحول لصدام في الشارع، ولا إلى أزمة بين المجلس العسكري والحكومة، أو إلى الوقيعة بين الشعب والجيش. والحفاظ على تماسك قوى الثورة امر ضروري في وجه التحديات الهائلة التي تواجهها مصر. والتضحيات مطلوبة من الجميع. وإذا كان الاقتراح الرومانسي الذي طرح قبل تباين المواقف بأن تخوض القوى السياسية المختلفة الانتخابات بقائمة موحدة لم يعد له مكان. فإن تصور البعض أنه يمكن أن ينفرد بالحكم هو تصور سقيم وغير ممكن.

وليس أمام الجميع إلا التعاون من أجل عبور الفترة الصعبة انطلاقاً من أسس يمكن التوافق عليها: إن المجلس العسكري عليه أن يتحمل نتيجة إصراره على التعجيل بإنهاء الفترة الانتقالية، وخطأ رفضه لما كان ـ ومازال ـ هو المنطقي، أي البدء بإعداد الدستور والقوانين السياسية الأساسية. وبعدها ـ ومع استعادة الاستقرار تكون الانتخابات. ومن هنا فلا أظن أن بضعة شهور أخرى في تحمل المسؤولية يتم خلالها إعادة ترتيب الأوضاع حتى تسليم السلطة ستكون عبئاً ثقيلاً.

إذا كانت كل القوى السياسية في جانب تأجيل الانتخابات والبدء بإعداد الدستور، فليس من مصلحة جماعة «الإخوان المسلمون» تصوير الأمر على انه معركة شخصية مع نائب رئيس الوزراء الدكتور يحيى الجمل، خاصة بعد إعلان رئيس الوزراء لموقفه الذي هو موقف غالبية الوزراء. وإذا كانت جماعة «الإخوان المسلمون» تؤكد أن التأجيل لن يضرها وان موقفها في الشارع الانتخابي ثابت، ففيم الخلاف.

ولماذا تضع المجلس العسكري في هذا الموقف الذي قد يقود الى الأسوأ؟ وإذا كانت الحجة هي التمسك بنتيجة الاستفتاء، فالكل يعرف ان الملايين التي صوتت في الاستفتاء كانت تعطي صوتها للثورة والاستقرار، وكانت قد أدخلت في مناخ اعطى التصويت بعده الديني ـ وبعد ما حدث في الشهور الماضية من مظاهر التطرف ـ فإن ما تطلبه القوى السياسية ليس فقط ان تكون الأولوية لإعداد الدستور، بل وان يتم تحصين المواد الاساسية فيه حتى لا يأتي بعد ذلك فريق يستأثر بالسلطة ويقوم بتعديل الدستور على هواه.

والسؤال المطروح الآن: إذا كنا أمام هذا الانقسام، وإذا كان الاستفتاء الذي تم هو المشكلة، فلماذا لا يكون الحل في استفتاء جديد يقرر فيه الناس: هل تكون الأولوية لإعداد الدستور أم لسباق الانتخابات المتتابعة ؟ وهل تتم الانتخابات في موعدها في ظل الظروف الحالية، أم يتم تأجيلها بضعة شهور يعود خلالها الأمن وتستقر الأوضاع ونزيل التوتر في علاقات رفاق الثورة؟

قبل ذلك كله استفتوا قلوبكم وعقولكم ، فالثورة في خطر!!