عندما سمعت أن حفلة الزفاف الملكي، بين وليام حفيد ملكة بريطانيا وخطيبته كاثرين، سوف تبث على شاشات التلفزيون يوم 29 أبريل، وأني أستطيع مشاهدة مراسمها وأنا في مصر مثلما يمكن لعشرات من الملايين غيري في مختلف أنحاء المعمورة، لم أتردد قط في اتخاذ قرار بالجلوس لمتابعتها، رغم ندرة مشاهدتي للتلفزيون عموما، ورغم إدراكي أن هذا ليس بالحدث السياسي المهم، وقلة اهتمامي أصلا بأخبار العائلة الملكية في بريطانيا.

كانت لديّ دوافع أخرى مهمة لمتابعة هذه الحفلة بالذات، فجلست أمام التلفزيون لما يقرب من ثلاث ساعات، ابتداء من لحظة وصول بعض المشاهير إلى كنيسة وستمينستر الشهيرة، التي جرى فيها الاحتفال، إلى وصول العروس وهي ممسكة بذراع أبيها، إلى وصول العريس بصحبة أخيه الأصغر (الأمير هاري)، ثم مرور الموكب، بعد انتهاء مراسم الزفاف، من الكنيسة إلى قصر باكنغهام، وحتى ظهور العروسين يحيط بهما أفراد العائلة المالكة في الشرفة الشهيرة لتحية الجماهير المحتشدة لإلقاء نظرة عليهم، والتلويح لهم بالتهنئة، ثم اختفاء الجميع داخل القصر وإسدال الستار على النافذة.

كنت قد شاهدت على شاشة التلفزيون، قبل ثلاثين عاما، حفل زفاف ملكي آخر، بريطاني أيضا، كان العروسان فيه هما الأمير تشارلز ولي العهد ووالد العريس الحالي، والأميرة الجميلة ديانا، وكان الشعب الإنجليزي في قمة الفرح والسعادة بهذا الزواج. فالعريس كان ابن الملكة الذي سيخلفها على الأرجح على العرش، والأميرة ديانا كان لها تأثير غريب على الجمهور، بجمالها الأخاذ وجاذبيتها الشخصية. كنا حينئذ لا نزال في الأيام الأولى للعولمة، إذ لم يكن من المألوف في ذلك الوقت أن يجلس مئات الملايين من الناس في مختلف بقاع الأرض، لمشاهدة نفس البرنامج أو نفس الاحتفال على شاشة التلفزيون، وهو ما حدث لهذا الاحتفال فأضاف سحرا جديدا إلى أساب الجاذبية الأخرى.

كان إدراكي حينئذ أني واحد من مئات الملايين الذين يمرون بنفس التجربة في نفس اللحظة، تجربة جديدة لي كما كانت لغيري، ولكني كنت أيضا أصغر سناً مني الآن بثلاثين عاما، ومن ثم كان احتمال انبهاري بما أراه من مراسم وأبهة ملكية، أكبر بكثير منه الآن. لم يكن هذا حالي وحدي، فقد كان هذا هو حال الجميع: أصغر منهم الآن بثلاثين عاما. ثم حدث ما نعرفه جميعا من أحداث مأساوية، انتهت بمقتل الأميرة ديانا.

وها هما العروسان الجديدان يقفان نفس الوقفة في الشرفة الشهيرة في قصر باكينغهام، ويهتف لهما الناس بالتحية والتهنئة، كما هتفوا للأب والأم من قبل. ولكن كل أوجه الشبه هذه ليست إلا ما يبدو على السطح، إذ لا بد أن الثلاثين عاما التي مرت منذ الزفاف الملكي السابق، قد تركت آثارا لا يمكن أن يخفيها تماما كل ما نراه على الشاشة من ابتسامات وغيرها من مظاهر السرور.

أخذت أنظر إلى وجه بعد آخر لأقارنه بما رأيته منذ ثلاثين عاما. أول الوجوه هو بالطبع وجه العروس. شابة جميلة لها بعض ملامح الجمال الشرقي، وفيها حيوية طبيعية غير مصطنعة، وتجد من الصعب أن تكتم فرحها ودهشتها، إذ ترى على وجوه هذه الأعداد الغفيرة من الناس مظاهر حب حقيقي ومشاركتها في الفرح، ليست لها بكل تأكيد تلك الجاذبية الساحرة التي كانت للأميرة ديانا. ولكن لماذا ننتظر أن يكون لها ذلك؟ ولماذا المقارنة أصلا؟ أما الأمير وليام فقد أدهشني في مشيته وحركاته، أنه يفتقد الطابع الملكي الذي نلاحظه بوضوح في حركات أبيه وجده. والعروسان السعيدان يبدوان على أي حال، أبعد كثيرا عن صفات الملوك والأمراء مما كان يبدو على العروسين السابقين، وكأن كل ما يحاطان به من مظاهر الأبهة ومراسم الزفاف الملكي، لا يستطيع أن يخفي أنهما أقرب إلى أفراد الشعب العاديين منهما إلى الملوك.

تذكرت ما قرأته عن أسرة العروس، فإذا بجدها الأعلى قد بدأ حياته عاملا في منجم للفحم، ولكن تغير السياسات الاقتصادية وانتشار التعليم سمحا لعروس اليوم بأن تقابل الأمير وليام في جامعة سانت أندروز، حيث جلسا كزميلين يسمعان نفس المحاضرات لعدة سنوات.

أعاد هذا مرة أخرى إلى ذهني فقرة أعود لتذكرها من حين لآخر، كتبها ذلك الكاتب الفرنسي الفذ أليكس توكفيل (A. Tocquville) في كتابه الشهير في وصف الولايات المتحدة، كما رآها في العقد الثالث من القرن التاسع عشر (كتاب الديمقراطية في أميركا Democracy in America)، إذ قال: «إذا تأملنا ما حدث في فرنسا ابتداء من القرن الحادي عشر في مراحل متعاقبة تمتد كل منها نحو نصف قرن، لوجدنا أنه مع نهاية كل مرحلة يكون المجتمع الفرنسي قد خاض ثورتين. فبينما تتدهور منزلة النبلاء على السلم الاجتماعي، ترتفع منزلة العامة والبسطاء على درجات هذا السلم. يهبط أولئك بينما يصعد هؤلاء. فإذا بهما يقترب أحدهما من الآخر مع مرور كل نصف قرن، وقريبا سوف يتقابلان في نفس النقطة. ليست هذه الظاهرة مقصورة على فرنسا. ذلك أن ما يطرأ من تحولات على الحالة الاجتماعية، قد عمل في كل مكان لصالح تقدم الديمقراطية».

ولكن لماذا تقتصر ملاحظتنا لهذا التغير الذي طرأ على النظام الطبقي، على سلوك العروسين؟ إن من الممكن ملاحظته على بقية الحاضرين، تقريبا بلا استثناء. الملابس فاخرة طبعا، والمجوهرات غالية، والقبعات مبهرة، ولكنك تلاحظ أن هذه «الأرستقراطية» الجديدة ليست أرستقراطية على الإطلاق. الجذور شعبية، وإن كان الصعود إلى أعلى واضحا أيضا، وإلا فكيف تمت دعوتهم إلى الزفاف الملكي؟ لابد بالطبع من استثناء عدد قليل من الحاضرين. الملكة إليزابيث بالطبع وزوجها دوق أدنبره، جذورهما الأرستقراطية واضحة بلا شك. والأمير تشارلز أيضا، والد العريس، ما زال يتحرك ويتصرف كابن ملكة وكملك محتمل. ولكن حتى زوجته كاميلا، لا يمكن أن تتظاهر بأنها سليلة ملوك، وهي على أي حال تبدو غريبة عن بقية المدعوين لسبب معروف، وهو ما كان من الملكة وزوجها من موقف معاد لزواجها من تشارلز.

بدا الوجوم على وجه الملكة، وأيضا على زوجها الذي بدت على وجهه بوضوح آثار السن المتقدمة، فهو على وشك بلوغ التسعين، ولكن الأهم من تقدمه هو والملكة في السن، في تفسير ما على وجهيهما من وجوم في معظم ما ظهر لنا من صور، هو ما لا بد أن مرّ بذهنيهما من ذكريات محزنة لا يمكن محوها. هل كان من الممكن أن يتوقعا أن ينتهي زواج ابنهما من تلك العروس الجميلة ديانا الذي جرى منذ ثلاثين عاما، بهذه النهايات المحزنة؟ شجار وطلاق وحادث مروع وغامض أودى بحياة الأميرة، ثم زواج ابنهما من امرأة مطلقة، وهو ما لم تكن الأسرة المالكة البريطانية لتستسيغه أو تتصوره؟

كلا، لا يمكن محو هذه الذكريات، ولا حتى التخفيف من وقعها. يمكن فقط التظاهر بأنها ماض وانتهى، ولا يجب أن يسمح لها بتعكير صفو الأمل في مستقبل سعيد، أو على الأقل مستقبل أفضل. وأفضل ما يمكن عمله لضمان إشاعة البهجة، أن يمتلئ الحفل بالأطفال الصغار، بعضهم يشارك في حمل ذيل فستان الأميرة الطويل، وبعضهم يحمل الزهور ليتقدموا موكب العروسين، وبعضهم يظهر في الشرفة الملكية محيطين بالعروسين للاشتراك في تحية الجمهور. هؤلاء الأطفال هم بالطبع أجمل ما في الحفل، والأجمل أنه لا تبدو على وجوههم أي شائبة حزن، أو شبهة طواف أي ذكرى محزنة.