في عام 1949 نجحت ثورة الزعيم الصيني السابق (ماو تسي تونغ)، وكان التحدي الأول أمامه يتمثل في إعادة بناء الصين، بعد دمار هائل حل بها من جراء احتلال ياباني وحرب أهلية مدمرة، فاقترح عليه مستشاروه العديد من مخططات التنمية والبناء، لكنه رفض كل هذه المخططات، إيماناً منه بأن الشعب الجائع لا يمكن أن يخوض غمار تجربة تنموية حقيقية، ما لم تتوفر له الاحتياجات الأساسية للحياة أولًا. فوضع خطة وطنية للطبقة الفقيرة، تتمثل بإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، والسعي لزراعة كل شبر من أراضي الصين وصولًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء للشعب الصيني، وفي نفس الوقت خصص مئات الآلاف من المنح والزمالات الدراسية لأبناء الطبقة الوسطى، من أجل إكمال دراساتهم العليا في الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة وأوروبا، لاكتساب الخبرات والمهارات الأجنبية. وقد تركزت الاختصاصات العلمية لتلك المنح، على الهندسة المعمارية والكهربائية والطب البشري والعلوم الطبيعية، على اعتبار أنها الأساس لأي نهضة تنموية لأي بلد.

وسار هذان المساران معاً؛ مسار تطوير الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ومسار تطوير القطاع التعليمي والبحث العلمي. وما أن بدأ أغلب الباحثين والأساتذة الصينيين بالعودة إلى الصين، حتى شرع «ماو تسي تونغ» ورئيس وزرائه آنذاك (دنغ)، في إطلاق برنامج قومي تنموي سمي «برنامج التحديثات الأربعة»، لتطوير الصناعات في البنى التحتية في مجالات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والدفاع.

وكانت التوجيهات المركزية لهذا البرنامج، هي دمج جهود الخبراء ونظرياتهم في المصانع والمعامل لتأخذ طريقها إلى التطبيق، مع استفادة المهندسين والفنيين من الاحتكاك المباشر مع هؤلاء الخبراء. وبمعنى آخر، تم الدمج بين النظريات والتطبيق، للوقوف على تقييم حقيقي للنظريات العلمية أثناء التطبيق، ومن ثم تقويمها إذا احتاجت لذلك. وها هي الصين قد أصبحت اليوم ثالث أقوى اقتصاد عالمي، بعد الولايات المتحدة واليابان، وهي مرشحة لأن تكون صاحبة الاقتصاد الأول عالميا عام 2025. إذن، إشباع الشعب وتوفير احتياجاته الأساسية أولاً، ومن ثم تطوير منظومة التعليم لتساهم في تحديث الصناعة الوطنية ثانياً، ثم تطوير المؤسسات الاقتصادية ثالثاً، كانت أبرز الخطوات الأساسية في خطة «ماو» للتنمية الشاملة والمستدامة للصين.

إذا تأملنا نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة، التجربة التنموية الصينية، فما الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة للاستفادة منه في تجربتنا الوطنية على طريق التنمية المستدامة والشاملة، التي أرسى ركائزها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله؟

فنحن إذ نثمن الجهود الجبارة التي تبذلها وزارة التعليم العالي في تطوير منظومتنا التعليمية والبحثية، إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى أن تتطابق مخرجاتنا التعليمية مع متطلبات سوق العمل المحلية، حتى نحقق نسبة توطين كاملة في الأيدي العاملة الوطنية، وحتى نحافظ على مواردنا المالية من الاستنزاف تحت مبررات كفاءات أجنبية بتخصصات فريدة من نوعها، حيث سيكون المردود الاقتصادي كبيراً جداً لو نجحنا في ذلك، وليعم هذا النجاح جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية للدولة، لنلحق في ركب دول مثل ماليزيا وسنغافورة، إذا لم نبالغ وقلنا نسبقها في مضمار التنمية الوطنية.

فهدف مطابقة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل (كماً ونوعاً) ليس هدفا عسيراً، سيما وأن قيادتنا الحكيمة توفر لنا كل الإمكانيات من أجل تحقيق هذا الهدف، ولكن ما نحتاجه هو خطة العمل الرصينة التي تقوم على أساس من التحليل الدقيق لواقع المخرجات التعليمية في بلدنا، ومتطلبات سوق العمل (كماً ونوعاً). فالمطلوب تشكيل لجنة مركزية وطنية، تشكل بدورها لجانا فرعية في كل إمارة على حدة، وتقوم اللجان الفرعية بالمهام التالية:

1- تقييم المخرجات التعليمية في كل إمارة، بحسب اعدادها وتخصصاتها العلمية والإنسانية، من خريجي البكالوريوس والماجستير والدكتوراه.

2- تقييم الوظائف التي تشغلها الكفاءات الأجنبية في كل إمارة على حدة، بحسب أعدادها وتخصصاتها العلمية لشاغلي تلك الوظائف ومهاراتهم العملية، والتي لم يمتد لها التوطين لافتقادنا إلى تلك المهارات. ثم تقوم كل لجنة فرعية بارسال تقاريرها الإحصائية إلى اللجنة المركزية، والتي ستكون قادرة على وضع استراتيجية جديدة للتوطين، لأنها ستملك رؤية واضحة استندت على حقائق ميدانية وواقعية، وبناء على التقرير النهائي للجنة المركزية ستتمكن وزارة التعليم من وضع خارطة طريق للتوطين، وترصد لها الإمكانيات الكفيلة بنجاح الخطة، حيث ستتحدد المنح الدراسية بتخصصات علمية معينة، كالطاقة النووية وهندسة الاتصالات والطب البشري والنانو تكنولوجي وبرمجيات الحاسوب ... الخ، وهذا سيؤدي أيضاً إلى إعادة هيكلة الجامعات الإماراتية بحسب خطة التوطين هذه، حيث ستفتح أقسام علمية جديدة وتلغى أقسام أخرى وتدمج أقسام علمية بأخرى.. الخ. وسيكون موعد جني ثمار هذه الخطة من 8 سنوات إلى 10 سنوات، على اعتبار أنها كافية لتخريج أجيال من حملة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وانخراطهم في سوق العمل واكتسابهم الخبرات اللازمة.

فنحن بحاجة ماسة إلى عملية توطين حقيقي، وليس إلى سباق توطين بين المؤسسات، قد نفرط به في كفاءات أجنبية من الصعوبة تعويضها في الوقت الحاضر، تحت مبرر التوطين. إن عملية الاستمرار في تقييم مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، تعتبر من أهم مبادئ التخطيط الاستراتيجي التنموي لأي بلد، وباستمرار هذه العملية كل عشر سنوات، سنحقق توطينا فعالا نسبق به الكثيرين.