ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية بين أميركا وإسرائيل يذكرك بصورة طفل مدلل، كلما لانت أمه أمام أحد طلباته راح يطلب غيره وغيره. وتظل الأم تلين وتلين، ولا يتوقف الطفل عن صراخه وعويله لو تأخرت الأم في الاستجابة أو أجلتها لسبب أو آخر. والطفل يعرف مدى ارتباط أمه به، ويعلم أنها ضعيفة أمامه، فيظل يبتزها بلا توقف. وأنت حين ترى هذا المشهد تغضب من ذلك الطفل الذي لا يعرف حدودا، ويتملكك الغيظ من تلك الأم التي أفسدت طفلها بانحنائها المستمر لمطالبه، المعقول منها وغير المعقول. شيء من هذا تلمحه في تلك الحملة المحمومة من الهجوم على أوباما، رغم أن الرجل لم يتوانَ عن مساعدة إسرائيل قولا وفعلا. وفي عهده وصل التعاون العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، إلى مستويات غير مسبوقة.

وخطاب أوباما الأخير الذي أثار تلك العاصفة المفتعلة التي تقوم على الابتزاز في عام انتخابات رئاسية، جاء بعد أيام قليلة من خطاب ألقاه نتنياهو أمام الكنيست، حدد فيه «شروط» قبوله بإقامة دولة فلسطينية. وشروط نتنياهو هي الاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» والقدس «الموحدة» عاصمة لها، وإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، مع حتمية احتفاظ إسرائيل بالمستوطنات، وإلغاء حق العودة، إلا إذا تم الوفاء به خارج «أرض إسرائيل». ثم إقرار من الفلسطينيين بأن التسوية التي سيتم الاتفاق عليها هي آخر المطاف، بحيث لا يحق لهم بعدها المطالبة بشيء.

والحقيقة أن خطاب أوباما الذي أثار الضجة، أعطى نصرا سياسيا محققا لنتنياهو. فالرئيس الأميركي تبنى الأغلبية الكاسحة من تلك الشروط، وتحدث عنها باعتبارها موقف أميركا، لا موقف إسرائيل، بينما سكت عن شرط أو اثنين. فأوباما لم يذكر أصلا القدس واللاجئين، بل واقترح أن تبدأ المفاوضات بقضايا الأمن والحدود، مع تأجيل ما سماه بالقضايا «المثيرة للعواطف»، أي القدس واللاجئين إلى المرحلة الأخيرة للمفاوضات. ثم قال الرجل صراحة، إنه مع قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية «ووطن لليهود». كما اتخذ أوباما موقف إسرائيل نفسه، حين اعتبر أن المصالحة الوطنية الفلسطينية تعني أن إسرائيل ليس لها شريك تتفاوض معه، حيث «لا يمكنها التفاوض مع حماس» التي «لا تعترف بوجود إسرائيل». باختصار، لبى الرئيس الأميركي الأغلبية الساحقة من شروط نتنياهو ومطالبه.

 لكن رئيس الدولة العظمى جرؤ وقال إن التسوية لا بد أن تتم انطلاقا من حدود 1967، فقامت الدنيا ولم تقعد، رغم أن أوباما قال في الجملة نفسها «حدود 1967 مع مبادلة واسعة للأراضي»، وهو ما يعني بوضوح بقاء المستوطنات، بما يعني قطعا إلا يتم الاتفاق على حدود ما قبل حرب 1967. قامت الدنيا ولم تقعد، وبدأ الصراخ في واشنطن وتل أبيب، وانتفض نتنياهو ليعلن رفضه لما قاله الرئيس، حتى قبل أن يغادر تل أبيب في طريقه للقاء أوباما. ثم وجه للرئيس الأميركي إهانة مباشرة في المؤتمر الصحافي الذي عقداه بعد لقائهما، بل وأعطاه محاضرة مطولة في التاريخ على نحو بالغ الغطرسة. وخرجت الأصوات فورا من لوبي إسرائيل، لتقول إن الكثير من مناصري إسرائيل قد قرروا سحب تبرعاتهم لحملة أوباما الانتخابية، وأن الرجل يضر بأمن إسرائيل، وأنه أسوأ رئيس أميركي على الإطلاق بالنسبة لها، وأنه.. وأنه..

والحقيقة أن أوباما كان واضحا في كلمته التي ألقاها أمام مؤتمر إيباك ـ لوبي إسرائيل في واشنطن ـ بعد خطابه المذكور، في شرحه لأسباب رغبته في الدفع نحو بدء عملية التسوية. وكلها، بالمناسبة، أسباب تتعلق بالقلق على مستقبل إسرائيل، وليس العكس. فأوباما قال ما يقوله الكثيرون حول العالم، من أن الوقت ليس في صالح إسرائيل. فالعامل السكاني يشير إلى تزايد مستمر في عدد الفلسطينيين، ومن ثم فإن استمرار الاحتلال وبناء المستوطنات سيعني نهاية أي أمل في قيام دولة فلسطينية، الأمر الذي سيعني أن تتحول إسرائيل إلى دولة أبارتيد عنصرية تضطهد الأغلبية الفلسطينية، أو تضطر لقبول بديل الدولة الواحدة «الديمقراطية لكل مواطنيها»، بما يعني في الحقيقة نهاية المشروع الصهيوني والدولة اليهودية. كما أن أوباما شرح أيضاً أن التحولات الكبرى التي تجري في المنطقة، من شأنها أن تطال إسرائيل، فضلا عن أنها تعني أنه يستحيل على إسرائيل حل مشكلاتها بمكالمة لزعيم عربي أو اثنين، إذ عليها الآن أن تقنع ملايين العرب بما تريد.

كل تلك النقاط التي ذكرها أوباما، يتبناها الكثير من يهود أميركا والعالم، من واقع حرصهم على إسرائيل لا العكس، وهو ما يعرفه أيضاً الكثيرون في إسرائيل نفسها، ولا يتجاهله سوى حكومة نتنياهو وأنصارها المتطرفين في واشنطن وتل أبيب. فعلى سبيل المثال، هناك الكثير من المنظمات اليهودية الأميركية، ومن بينها «جي ستريت»، تشارك هذا الأسبوع في المؤتمر الموازي لمؤتمر أيباك (لوبي إسرائيل) الذي يعقد حاليا في واشنطن. و«جي ستريت» منظمة سجلت نفسها منذ 2008 كلوبي رسمي مناصر لإسرائيل ومناهض لإيباك، وساعياً لموازنة نفوذ الأخيرة بعد أن صارت لا تعبر عن يهود أميركا بقدر ما تعبر عن الليكود الإسرائيلي، على حد قولهم. بل أكثر من ذلك، نشرت جي ستريت ومعها عدد من المنظمات الإسرائيلية، إعلانا مدفوع الأجر في عدة صحف، يدعو صراحة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، لأنهم يرون في ذلك إنقاذا لإسرائيل من نفسها.

باختصار، الحملة ضد أوباما هي جزء من عملية متواصلة تقوم بها إسرائيل وأنصار الليكود في واشنطن، تهدف لإيجاد تطابق كامل بين موقف أميركا وموقف إسرائيل من القضية الفلسطينية، ولكنه تطابق يصنع في تل أبيب ويتم فرضه على واشنطن بأساليب كثيرة منها الابتزاز. الطفل المدلل يصر على مطالبه كلها، حتى لو قتل أمه!