شهد لبنان عددا كبيرا من مؤتمرات الحوار لإنهاء الحرب اللبنانية التي بدأت في العام 1975، وقد تتابع انعقادها داخل لبنان وفي العالم العربي وأوروبا، إلى أن توجت بمؤتمر الطائف في المملكة العربية السعودية عام 1989. فولد «اتفاق الطائف» من خلال توافق لبناني ـ لبناني، بضمانات عربية وموافقة دولية. ما زالت الوثائق الأساسية للحوار محجوبة في أدراج من لعب دورا أساسيا فيها، وهو الرئيس حسين الحسيني الذي شغل آنذاك رئاسة المجلس النيابي لسنوات، وهو يفرج بين الحين والآخر عن بعض ما تضمنته من أفكار إصلاحية للخروج نهائيا من دائرة الحرب في لبنان. لكن تعديلات سياسية محلية أبعدته عن رئاسة المجلس، دون أن تضعف إيمانه بإمكانية التغيير السياسي، على قاعدة ما اتفق عليه من بنود إصلاحية لم ينفذ منها سوى القليل القليل.
فقد نصت على تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء مجلس للشيوخ يضمن التعايش السلمي بين الطوائف اللبنانية وفق ما نص عليه دستور الطائف، واعتماد اللامركزية الإدارية، وإعداد قانون عصري للانتخابات النيابية تبرز التمثيل الصحيح للشعب اللبناني، ودعم الجامعة الوطنية، وتعميم كتاب موحد للتربية المدنية وآخر لتدريس التاريخ في جميع المدارس اللبنانية، وتحديد صلاحيات من يتولى المراكز العليا في الدولة اللبنانية.
بني اتفاق الطائف على أسس وطنية سليمة، تطالب بتحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وبناء دولة القانون والمؤسسات، وتثبيت هوية لبنان العربية، وإرساء علاقات لبنانية ـ سورية سليمة، تمنع أي طرف من التدخل في شؤون الطرف الآخر، أو الاشتراك في تحالفات أو تكتلات أو مشاريع إقليمية ودولية تلحق الأذى بأي من البلدين الشقيقين. نجح اتفاق الطائف في وقف الحرب الأهلية، دون أن يقطع الطريق على إمكانية تجددها. وفشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ الاتفاق حتى الآن عن بناء دولة القانون والمؤسسات، وبات غيابها اليوم خطرا داهما على اللبنانيين في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
1- فلم تعد الأزمة التي تعصف بلبنان اليوم مجرد أزمة تشكيل حكومة لم يستطع الرئيس نجيب ميقاتي الإعلان عنها، رغم مرور قرابة أربعة أشهر على تكليفه، بل أصبحت «أزمة حكومة وحكم ونظام» وفق عنوان لمحاضرة ألقاها الرئيس الحسيني مؤخرا.
2- والقوى المسيطرة على الساحة اللبنانية، في الموالاة والمعارضة معا، هي قوى سلطوية تفتقر إلى الحد الأدنى من التضامن الوطني المطلوب، لأنها تغلب المصالح الشخصية على مصلحة لبنان العليا. مما يؤخر ولادة حكومة لبنانية موحدة ومتجانسة، وقادرة على مواجهة الأزمات التي تعيشها المنطقة.
3- أما النخب الثقافية والاقتصادية وحتى الدينية فمهمشة سياسيا، ولا تستطيع أن تشكل قوة وطنية فاعلة تلزم القيادات المتناحرة على الدخول في مفاوضات حاسمة وسريعة، لإنهاء التجاذب السياسي الذي بلغ حد الاستخفاف بمصالح اللبنانيين اليومية، وقضاياهم المعيشية، وتطلعاتهم الوطنية، وحقهم المشروع في الأمن والاستقرار.
4- كما أن أسلوب المحاصصة السياسية الذي اعتمد منذ اتفاق الطائف على أسس طائفية، تحول إلى صيغة مذهبية غير وطنية. فتكررت الأزمات عند تشكيل الحكومة، وانتخاب أعضاء المجلس النيابي، وتسمية كبار الموظفيين في مراكزهم على أساس المعيار الطائفي والمذهبي وليس الوطني. مما أدى إلى التعطيل القائم حاليا بسبب عدم تشكيل الحكومة، وإصابة الإدارة بالشلل التام والعجز عن القيام بمعالجة القضايا المعيشية للبنانيين.
والسؤال الأساسي الذي يطرح في هذا المجال: هل أغفل الموقعون على اتفاق الطائف عمدا وضع آلية علمية لتطبيق بنوده بصورة عقلانية؟ أم أن هناك قوى ترفض تطبيقها من مواقع مختلفة خوفا على مكتسبات طائفية من جهة، أو تفسير وحيد الجانب لنصوصه يقود إلى قيام حكومة تعادي المقاومة اللبنانية وتحاول نزع سلاحها تحت وطأة الضغوط الخارجية، من جهة أخرى؟
نتيجة لذلك، فإن ما طبق من بنود الطائف كان انتقائيا، وذلك لأسباب شخصية وطائفية ومذهبية، وبالتوافق مع قوى إقليمية ودولية. وكان بالإمكان تطويره، وشرح الأهداف التي توخاها واضعوه عند التوقيع عليه بصفته اتفاقا وطنيا جامعا. وبالإمكان أيضا إخضاع بنوده للمراجعة والنقد والتقويم، والدفع به نحو مزيد من الإصلاح في حال توفرت الإرادة الوطنية الجامعة مجددا، وتحلى زعماء الكتل السياسية في لبنان بحس المسؤولية الوطنية التي تتجاوز التشنجات الشخصية والاتهامات المتبادلة.
وبسبب حدة الأزمة في المرحلة الراهنة، يتعرض اتفاق الطائف لكل أشكال النقد، بعد ان شارك بعض القوى اللبنانية في التحضير لإصدار القرار الدولي رقم 1559 عن مجلس الأمن. وقد فسره البعض بأنه دعوة صريحة لنزع سلاح المقاومة الوطنية، بصفتها ميليشيا مسلحة تمنع قيام الدولة اللبنانية من بسط سيادتها على جميع الأراضي اللبنانية، ودعوة سوريا إلى عدم التدخل في الشؤون اللبنانية. وفي السنوات التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط 2005، توجهت أصابع الاتهام إلى «حزب الله» وسوريا، وأنشئت محكمة دولية خاصة لمعاقبة قتلة الشهيد الحريري.
فانقسم اللبنانيون بشكل عمودي بين كتلتي 8 و14 آذار، المتباعدتين في النظرة إلى بناء الدولة اللبنانية وفق صيغة الطائف. وأضاف اتفاق الدوحة في العام 2008 المزيد من التقاليد السلبية عند تشكيل الحكومة، وتقسيم الوزارات إلى سيادية وغير سيادية، وتسمية الوزراء من قبل رؤساء الكتل الطائفية، وتداخل صلاحيات رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور. ختاما، لقد تحولت أزمة تأليف الحكومة في لبنان اليوم، إلى أزمة حكم أكثر منها أزمة حكومية. ولا بد من صيغة سياسية مبتكرة يتفق عليها قادة الأحزاب والقوى السياسية، على أسس وطنية تأخذ بعين الاعتبار تمثيل الطوائف اللبنانية، دون أن تتحول إلى صيغة طائفية جامدة. وعليها أن تغلب مصلحة لبنان العليا، دون أن تؤسس لمزيد من التقاليد السلبية في ممارسة الحكم على قواعد مذهبية لا يمكن أن تكون عادلة أو عقلانية.
فالاتفاق السياسي وفق خطة عمل مرحلية تضمن مصالح جميع اللبنانيين، عبر إشراك نخب ذات كفاءة علمية عالية، وتمارس الحكم بكثير من الشفافية، وتخضع للمساءلة القانونية، هي صيغة ملحة لضمان مصلحة اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومناطقهم. وذلك يتطلب التوافق الوطني على قانون جديد للانتخاب، تتولد عنه أحزاب وطنية غير طائفية أو مذهبية، تصون الوحدة اللبنانية وتمنع التدخلات الخارجية.