مات أسامة بن لادن، وتعيش منطقة الشرق الأوسط في حالة من الفوضى، والمعتقدات المتشددة تتخبط.

سطع نجم أسامة بن لادن لبعض الوقت بعد أحداث الحادي عشر من ستبمبر 2001، ومن خلال تدمير 16 فداناً في «مانهاتن» وإصابة مقر البنتاغون، حاز تنظيم القاعدة على إعجاب البعض في الشارع العربي، وعلى الرشاوى من بعض الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط.

لكن ابن لادن ومعظم أنصاره منذ عقد من الزمن قد لقوا حتفهم، مثل أبي مصعب الزرقاوي الذي قتلته القوات الأميركية في العراق. أو تم القبض عليهم، مثل مخطط هجمات الحادي عشر من سبتمبر خالد شيخ محمد في باكستان. أو أنهم يختبئون، مثل الدكتور أيمن الظواهري، الذي تتقلص أهميته بصورة متفاقمة في تنظيم القاعدة.

ما الذي سبب تراجع تنظيم القاعدة؟ هناك الكثير من الأسباب.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، اتخذت الولايات المتحدة مجموعة بروتوكولات لمكافحة الإرهاب، تعتبر شاملة ومثيرة للجدل في الوقت ذاته. وهي قانون المواطنة، وخليج غوانتانامو، وعمليات الترحيل السري، والمحاكم، والاحتجاز الوقائي، .

والتنصت على المكالمات الهاتفية، والاستجوابات. وتم تصنيف تدابير أمنية جديدة لكي تشمل جميع جوانب الحياة الأميركية، من البروتوكولات التعسفية وغير المقبولة في المطارات التي تخضع الأمتعة والمسافرين للأشعة السينية، حتى الإجراءات الأمنية المشددة على القطارات .

وفي الموانئ. سخر المدافعون عن الحريات المدنية من مثل هذه اليقظة، لكن الرسالة كان مفادها أنه أشد صعوبة بكثير الآن أن يأتي إلى أميركا من الشرق الأوسط مخطط مجهول الهوية بهجمات 11 سبتمبر أخرى. وقد فشلت محاولات إرهابية لاحقة، كانت تستهدف مواقع أميركية، مثل «بروكلين بريدج» وتايمز سكوير»، أو تم إحباطها قبل أن تبدأ.

في الحروب في الخارج، أعار آلاف من المتشددين آذانا صاغية لدعوة ابن لادن لحمل السلاح، واندفعوا إلى جبال «هند كوش» ومحافظة الأنبار.

. وكانت القوات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها في الانتظار، ثم قامت بقتل أو جرح عدة آلاف من الإرهابيين والمتمردين. تلك الحقيقة التي لا جدال حولها، لقيت القليل من الاهتمام، بقدر ما كانت حاسمة لإضعاف المتشددين وإفقادهم المصداقية.

إننا ننسى أيضا أن الإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، التي أعقبتها محاكمته وإعدامه من قبل الحكومة العراقية المنتخبة ديمقراطياً، أطلقت الموجات الأولية للتغيير في الشرق الأوسط بين عامي 2004 و2006. وتم إخراج الجيش السوري من لبنان من خلال احتجاجات شعبية. وتخلى الرئيس الليبي معمر القذافي عن أسلحته النووية، وأعلن قلقه على مستقبله. واعتقلت باكستان فجأة العالم النووي «قدير خان» لفترة، الذي استغل خبرته في الأسلحة النووية.

لم تؤد هذه الأحداث مباشرة إلى اندلاع الاحتجاجات الشعبية الحالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لكنها قد تكون مؤشرات من نوع ما، بمجرد انتخاب حكومة عراقية وصمودها وتراجع موجة العنف هناك.

لكن هناك تطوراً نهائياً تسبب في شعور المتشددين بالقلق، وهو نهاية الهستيريا الأميركية حول شرعية وأخلاقية تدابيرها لمكافحة الإرهاب.

رغم أن المرشح باراك أوباما تم انتخابه كمناهض للرئيس السابق جورج بوش، ووعد بإلغاء البروتوكولات التي كان قد أقرها وإنهاء الحروب في أفغانستان والعراق، لم يفعل الرئيس أوباما أي شيء من هذا القبيل. واستمر على خطة بوش ـ بترايوس للانسحاب من العراق، وعمد إلى تصعيد الخطة في أفغانستان، .

وأبقى على جميع إجراءات مكافحة الإرهاب التي كان يسخر منها! وضاعف نطاق مهام الاغتيالات باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد إلى خمسة أضعاف، في الوقت الذي يرسل قوات كوماندوز داخل باكستان لقتل ابن لادن.

وليس القبض عليه وتقديمه للمحاكمة. وتجاهل معظم التوصيات المقدمة من النائب العام الأميركي «إريك هولدر»، وخمّن محقاً أن قاعدته اليسارية ستلتزم الصمت إلى حد كبير إزاء ذلك.

وكان التأثير مزدوجاً، فقد أبقت أميركا الضغط على الإرهابيين ومؤيديهم، وتلاشت المعارضة الليبرالية ضد سياساتنا لمكافحة الإرهاب بمجرد أن أصبح أوباما القائد العام.

أما البعض ممن كانوا يحتجون يوماً على خلع صدام، فقد أشادوا بالجهود المبذولة للقيام بالشيء نفسه ضد القذافي. والذين أقاموا دعاوى نيابة عن المعتقلين في غوانتانامو، انضموا إلى الحكومة لضمان استمرار برنامج الاغتيال باستخدام بالطائرات الموجهة عن بُعد.

تنعدم الفرص في عام 2012 بشأن الاحتفاء بـ«مايكل مور» المثير للسخرية، الذي كان يشيد من قبل بالمتمردين العراقيين، بوصفه ضيف شرف في المؤتمر الوطني الديمقراطي، كما كان في 2004، أو أن «سيندي شيهان» سوف تتصدر العناوين مرة أخرى.

تظهر استطلاعات الرأي أن أميركا في عهد أوباما ما زالت لا تحظى بشعبية بين شعوب الشرق الأوسط، كما كانت في عهد جورج بوش. لكن وسائل الإعلام التي تتسم كثيراً بأنها مختلفة الآن، تفترض أن المشكلة هي مشكلة تلك الشعوب، وليست مشكلة أميركا.

في هذا العالم الجديد الشجاع، يهتم المجتمع الأميركي الليبرالي الآن بمواصلة برنامج بوش لمكافحة الإرهاب الذي كان محتقراً من قبل، والتخطيط لاستخدام القوة في الخارج، ولا يتعاطف كثيراً مع الانتقادات الخارجية للرئيس الأميركي. بكل بساطة، لم يعد عالم ابن لادن من عام 2001 قائماً. يعد هذا في معظمه أمراً جيداً بالنسبة لنا، لكنه سيئ جداً بالنسبة لأتباع ابن لادن.