ليس هناك أخطر من وصف رئيس الوزراء المصري عصام شرف، الحال في مصر بأن «مصر قد تكون أصبحت أمة في خطر» بعد سقوط نحو 12 ضحية وعشرات الجرحى، في أسوأ حوادث طائفية شهدتها القاهرة، التي عرفت عرساً وطنياً باهراً مسيحيا ـ إسلاميا في لحظات الانتفاضة الشعبية على نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. قبل تلمس الأسباب خلف هذه الفجيعة، لا بد من بعض المعطيات الدراسية.
قبل الفتح العربي لمصر، عرف العرب أهل البلاد باسم «القبط»، كما سموا مصر «دار القبط»، حتى بات استخدام تعبير «قبطي» مرادفاً لتعبير «نصراني» في الإشارة إلى سكان البلاد الأصليين.
من حيث النسبة الديمغرافية، أظهرت الإحصاءات منذ 1907 (حتى 1976)، أن نسبة الأقباط أقرب إلى الثبات، وتتراوح بين 6.3% إلى 8.3%. ويعيش الأقباط في جميع أنحاء البلاد، مع تفاوت في الكثافة السكانية بين منطقة وأخرى، فتزداد في الصعيد عما هي عليه في الدلتا، حيث تؤكد الأرقام أن النسبة الأعلى موجودة في 3 محافظات: أسيوط، المنيا، سوهاج، فضلاً عن كثافة ملحوظة في القاهرة (شبرا والأزبكية ومصر الجديدة ومصر القديمة). عرف الأقباط هجرة كبيرة إلى كندا والولايات المتحدة واستراليا، خصوصا بعد الستينات من القرن الماضي. أما الهجرة إلى البلدان العربية فكانت خصوصا إلى عمان وبغداد وأبو ظبي والكويت ولبنان. من حيث التراتب الاجتماعي، يتوزع الأقباط على مختلف الفئات الاجتماعية:
ـ هناك كبار التجار من العاملين في الاستيراد والتصدير، وكبار المقاولين ورجال الأعمال المشتغلين بالخدمات السياحية: الفندقية والنقل، ثم أصحاب المصانع المتخصصة في بعض الصناعات الغذائية والملابس.
ـ هناك الفئة الوسطى من ملاك العقارات وأصحاب المهن الحرة، كالأطباء والمحامين والمهندسين والصيادلة وكبار موظفي الدولة والشركات وأساتذة الجامعات والمعاهد العليا.
ــ الفئات المتوسطة الصغيرة، من معلمي المدارس وصغار الملاّك والحرفيين.
ــ العمال في القطاعين العام والخاص والفلاحون.
أما من حيث الطوائف، فالكنيسة الكبرى هي الكنيسة الأورثوذكسية، وهي الكنيسة القومية وأقدم الكنائس في مصر، ثم الأقباط الكاثوليك الذين بدأت كنيستهم في العام 1895. أما الإنجيليون (البروتستانت) الذين تأسسوا عام 1860، فكانوا يرتبطون بالكنيسة المسيحية الأميركية، حتى العام 1958 عندما استقلوا في كنيسة خاصة.
على امتداد التاريخ الحديث، كان الاختلاط السكاني ميزة التعايش المسيحي ــ الإسلامي في مصر، خصوصا مع ثورة يوليو 1952 والدور الذي لعبه البطريرك كيرلس السادس في نصرة جمال عبد الناصر، وتحديد موقف رفضي قاطع للكيان الإسرائيلي، الأمر الذي استمر مع البابا شنوده الثالث، المأثور عنه رفضه أي تطبيع للعلاقة بين مصر وإسرائيل، غير أن المرحلة الناصرية تعرضت لانتكاسة مع الساداتية التي لعبت على وتر دعم «الإخوان المسلمين» في مواجهة القيادات الناصرية، الأمر الذي جعل العلاقة مع الكنيسة تشهد تدهوراً كبيراً كان من علاماته نفي البابا شنوده إلى الأديرة المصرية في جبل سيناء.
طوال المرحلة الساداتية وما تلاها من مرحلة الرئيس حسني مبارك، اتسمت العلاقة مع الكنيسة بالتوتر بسبب المد الديني المتصاعد وتزايد نفوذ الكنيسة، التي باتت بالنسبة للشباب القبطي «وطنا بديلاً» يقدم عددا كبيرا من الخدمات التعليمية والاستشفائية والثقافية، وكان لعملية إقصاء الأقباط عن مناصب الدولة العليا (محافظون ومدراء ناحية) وضعف تمثيلهم في مجلس الشعب والمؤسسات الرسمية عموما، أثره الكبير في الالتفاف حول الكنيسة التي راحت تقود الحركة الاجتماعية والثقافية لدى الأقباط بالتوازي مع تراجع دور المثقفين العلمانيين الأقباط.
في المواجهات الأخيرة، كان واضحا أن ثمة دوراً خفيا ومتناميا لأجهزة السلطة ومخابراتها البائدة، في إذكاء التوتر الديني واستخدامه لإفشال المناخ المصري الجديد. وكان واضحاً أيضاً أن القوى الاجتماعية المرتبطة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك (بغض النظر عن انتسابها الديني)، تقوم بدورها في الوقوف في وجه الحملة التي تشنها الدولة حاليا ضد الفساد والمفسدين. لقد اجتمعت قوى الفساد جميعها على الثورة الشبابية؛ من الطائفيين الذين كانوا يعملون لصالح أجهزة الرئيس مبارك، إلى رجال دين من أصحاب الرؤى المتشددة، إلى كبار رجال الأعمال من بطانة جمال مبارك. كيف سلك المجتمع المصري، بأجهزته الرسمية وقواه الشعبية المدنية، حيال «الثورة المضادة» التي سعت إلى إفشال إيجابيات «الثورة الشبابية»، التي أسقطت الرئيس السابق وعائلته والمسؤولين الرسميين الذين ارتبطت أسماؤهم بالفساد في عهده؟
الدولة، ممثلة بالمجلس العسكري الذي يقود البلاد اليوم، تصرفت بحزم وسرعة، فوعدت في بيان صدر بعد اجتماع طارئ للمجلس العسكري، بالضرب «بيد من حديد» على كل محاولات إثارة الفتنة الطائفية، وعدم السماح لأجهزة النظام السابق وأعوانه بإفساد المشروع التغييري الذي تعيشه مصر. كما قرر المجلس العسكري إعداد مشروع خلال 30 يوما، لوضع أسس وقواعد جديدة موحدة لبناء أو توسيع المعابد والدور الدينية. إلى جانب ذلك، قرر المجلس العسكري سن قانون اشتراعي جديد، يعاقب بشدة كل مثيري الفتن الطائفية أو المحرضين عليها في جميع وسائل الإعلام. أما على الصعيد المجتمعي، فقد قرر الطلاب الذين انتفضوا ضد مبارك وصنعوا ثورة 25 يناير، تسيير مظاهرات إسلامية مسيحية مشتركة، تعبيرا عن اللحمة الاجتماعية التي كرستها الثورة التي اشتعلت في ميدان التحرير وعمت كل مدن وأنحاء مصر.
بذلك تسعى مصر الجديدة إلى وأد الفتنة حتى لا يستغلها أعداء مصر وأعداء ثورتها.
مصر في خطر؟ نعم، والدين نفسه في خطر على أيدي أدعيائه ومستخدمي كتبه المقدسة.