ربما يكون من القسوة، أن نسأل ما هي الفرص الاقتصادية المتاحة للولايات المتحدة في أعقاب الاضطرابات الاجتماعية، وإسقاط الحكومات الاستبدادية المختلفة في العالم العربي، لكن هذا أمر لا بد من النظر فيه. منذ وقت ليس ببعيد، قادت أميركا الهجوم لخلع الرئيس الراحل صدام حسين من السلطة في العراق، وتمكن اليساريون المناهضون للحرب من كسب القوة الدافعة من خلال الشكوى، وهم ينفضون الغبار والأوساخ عن جزرتهم العضوية المزروعة محلياً، بأن الرئيس الأسبق «جورج بوش فعل ذلك من أجل النفط»، وكأن هذا شيء سيئ في حد ذاته! إذا كانت أميركا ودول أخرى تلعب دورا في تغيير النظام الآن، كان الأحرى بها القيام بذلك بشفافية، من أجل النفط والموارد وأسباب مالية أخرى.

إنك لا تسمع أبدا المنتقدين وهم يشكون من أن روسيا والصين، وغيرهما من الحكومات الاشتراكية أو الشيوعية، تستغل الفرص التجارية أينما توجد الفرصة. اليساريون يندبون الإمبريالية الأميركية أو الغربية، في حين يمنحون فرصة المرور إلى روسيا لبناء مفاعلات إيران النووية التي تعمل باليورانيوم. ذلك أنه وفقاً لعقلية اليساريين، فإن الإمبريالي لا يمكن إلا أن يكون أميركياً أو بريطانياً أو أوروبياً فقط، تماماً كما أن أي عنصري لا يمكن إلا أن يكون قوقازياً. حان الوقت للتخلص من العار والذنب.

وفقا لتقارير مختلفة، يمكن أن يتجاوز الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي، أو حتى يبلغ ضعفه في الفترة ما بين 2020 و2030. فالصينيون يجوبون العالم باستمرار للحصول على المواد الخام من أجل الحفاظ على ناتجهم الصناعي، في حين تتطلع شركاتهم الاستثمارية المملوكة للدولة إلى اقتناص الفرص، في التجارة والطاقة والنفوذ في كل مكان في العالم. واعتمدت روسيا العقلية نفسها، من خلال شراء الطاقة التي فقدتها في أوكرانيا أثناء الثورة البرتقالية الموالية للغرب عام 2004، من خلال ضخ الأموال في استثمارات التعدين والإنتاج، عبر المستثمرين الأوليغارشيين المقربين من الكريملن. ويعلم الجميع أنه في قطاع الأعمال الروسي، يتوقف الروبل مع توقف رئيس الوزراء ورئيس المخابرات الروسية السابق فلاديمير بوتين.

تدرك هذه الدول أن ميدان التنافس يغطي الكوكب بأسره، وليس مجرد بقعة داخل حدودها. فهم يؤدون دور الشيوعيين بشفافية على أرضهما، ودور الرأسماليين في عمليات خارج حدودهم. وبهذه الطريقة تمكنت من التكيف مع المنافسة في اقتصاد ما بعد الحرب الباردة.

وبينما تحاصر التحديات الداخلية الرئيس الأميركي باراك أوباما، فلا يسعه أن يتجاهل الفرص المتاحة في الخارج، لا سيما أن التأثير المعنوي، كما تعلمت أميركا من تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، غالبا ما يسير في ركاب النفوذ الاقتصادي. توفر حالة التوتر وتغيير النظام في إفريقيا، نافذة للأميركيين لاستكشاف الخيارات المتاحة لهم، وشراكات مع زعماء جدد وموالين للغرب في المنطقة (وهو ما نأمله)، للنظر في صفقات ذات صلة بكل شيء، ابتداء من التعدين حتى الدفاع والأمن.

في آخر مرة حدث هذا، تعرض الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وإدارته للانتقاد، بوصفهم «المتربّحين من الحرب»، وتم التقليل من شأنهم باعتبارهم تكبدوا عناء العمل نيابة عن شركات النفط الكبرى وشركة «بلاك ووتر». وإننا كبالغين راشدين، علينا أن نكون قادرين على استيعاب فكرتين في أذهاننا في وقت واحد، دون كل هذه الهستيريا الأيديولوجية وتوجيه أصابع الاتهام، حيث تتمثل الفكرة الأولى في أن الإطاحة بالطغاة والمستبدين أمر جيد، وأن نافذة الأعمال والاقتصاد التي تنفتح في أعقاب الاضطرابات الاجتماعية، ربما تكون أيضا تطوراً إيجابياً جديراً بالاستكشاف. ولكن كيف يمكن للشركات الأميركية الكبرى أن تنافس على الساحة العالمية، مع الشركات التي تديرها الدولة وجميع مواردها التي تمولها الحكومة؟

في فرنسا، تتسم العلاقة بين الحكومة والصناعة بأنها وثيقة للغاية، لدرجة أنه من المتوقع أن يبادر الرئيس الفرنسي بإتاحة الفرص التجارية للشركات، بما في ذلك بعض الشركات التي تمتلك الدولة أسهماً فيها، خلال زياراته الخارجية. وفي أميركا، فإن مثل هذا الأمر يجعل الناس يشعرون بالتوتر، لأنهم يودون أن يروا فصلاً واضحاً بين الحكومة وقطاع الأعمال. لكن عندما تقوم الحكومة الأميركية بإنقاذ الشركات ودعم «وول ستريت» من أموال دافعي الضرائب، فإنه من المنصف على الأرجح أن نسأل عما إذا كان هذا الفصل موجودا حقاً! إذا كانت الحكومة الأميركية لا تبحث بشكل حثيث عن فرص من أجل المصالح التجارية لأميركا، حينئذ فإن الاستراتيجيين في المضمارين الجيوسياسي والجغرافي الاقتصادي، الذين كان العديد منهم ضباطا سابقين في الاستخبارات التابعة للدولة، يقومون بذلك على وجه الدقة نيابة عن هذه الشركات. ولكنهم يكونون في وضع غير مواتٍ، عندما يناهضون الشركات الأجنبية التي تدعمها موارد قوة عظمى ودولة بأكملها.

وهذا هو المسار الذي يخطئ فيه المناهضون للإمبريالية الطريق في منطقهم، معتقدين أنه إذا تم غض الطرف عن فرصة لصالح قضية أيديولوجية بعينها، فحينئذ لن يأخذ السوق على عاتقه هذه المهمة. ونسوق هنا مثالاً ملموساً وحاصلاً، وهو أنه لو أن أوباما يهمل حشد التأييد من أجل الحصول على عقد رئيسي لتأمين ميناء، نيابة عن الشركات الأميركية خلال عطلته في البرازيل، فلن يمنع ذلك الشركات في جميع أنحاء العالم من القيام بذلك، بما فيها تلك التي تملكها وتديرها حكومات أجنبية، مع جميع المزايا لتلك الموارد والاتصالات والاستخبارات الحكومية، وفي نهاية المطاف توفير الثروة والفرصة لمصالح غير أميركية.