بدأت حركة التغيير في ما يُعرف بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بتونس. سقط رأس النظام بالرحيل، بعد أيام من بدء تحرك شعبي عارم؛ اتخذ الجيش موقفاً محايداً.

لاقى التحرك الشعبي التونسي دعماً شعبياً عربياً واسعاً، على شكل تعاطف معنوي. دولياً، وبالذات غربياً، تجسّد الدعم الغربي بتخلي الغرب(!) عن حليف تقليدي قوي له، ممثلٍ في شخص الرئيس التونسي السابق. حقيقةً، لم يتخل الغرب عن النظام التونسي، بشكل واضح لا لبس فيه. ولا تزال الكتل الشعبية التونسية تواصل كفاحها، للتخلص من ركائز وأعوان النظام السابق.

بسرعة قياسية انتقلت حمى الثورة في تونس إلى قلب العالم الإسلامي، مصر. اضطر رئيس النظام إلى التنحي، بعدما تأكد له أن لا خيار آخر له في وجه تحرك شعبي عارم عنيد. معنوياً وإعلامياً مؤثراً، دعمت الجماهير العربية الحركة الثورية المستعرة في مصر. سياسياً، ثمة متأخراً دَعَمَ الغرب حليفه التكتيكي ـ الاستراتيجي، حسني مبارك، لكن دون جدوى. جل الركائز القديمة في الحكم بقيت على ما هي عليه، وبدعم غربي علني ومستتر. لم يزل الجمهور المصري في حالة من التحرك والترقب لتحقيق تغيير حقيقي كاف يلبي الطموحات المنشودة.

التدخل الخارجي أكثر وضوحاً وعلانيةً في الشأن الليبي. إلى جانب التأييد السياسي الواسع للمعارضة القاسية للنظام الليبي، تدخّل الغرب بقوة عسكرية عاتية. الهدف هو تدمير البنية التحتية والقدرة العسكرية الليبيتين أولاً، ومحو نظام القذافي من الوجود ثانياً.

تؤيد الشعوب العربية التغيير في ليبيا، مع التحفظ على استخدام القوة الغربية المفرطة. الغرب يؤيد شعبياً ورسمياً التغيير في ليبيا. يخطط لإقامة نظام سياسي معتدل، أو مروَّض مدجَّن بما فيه الكفاية. ميدانياً، عسكرياً وسياسياً، يُتوقع زوال النظام الليبي عن الخريطة الجيوسياسية الدولية قريباً؛ كما أنه لن تبقى له ركائز تستمر في الحكم بعد زواله.

لم يستفد السوريون كثيراً من تجارب تونس ومصر وليبيا. تواصل القيادات الجماهيرية السورية تصعيد التظاهر والمطالبة بتغيير النظام. لجأت القيادة السياسية إلى القوى الأمنية الموالية، كأسلوب تقليدي لردع المعارضة المتصاعدة بضراوة. الدعم الخارجي العربي والدولي الغربي، موجود وبنفس الزخم المرافق لحملة التغيير في ليبيا. تسعى الأطراف الخارجية الغربية إلى إيقاع أكبر الخسائر الممكنة في البنية التحتية والقدرة العسكرية السوريتين. الجبهة السورية بشقيها الداخلي الاجتماعي والعسكري، هدف تقليدي للقوى الخارجية المتربصة، بالذات إسرائيل.

التجربة اليمنية في التغيير تسير بمرارة حادة منذ أشهر. الدعم الخارجي العربي الشعبي واضح في سبيل التغيير الديمقراطي. في المقابل يقف الغرب وراء حليف تقليدي «براغماتي»، ساهم في الحرب على ما يُعرف بالإرهاب. يتراوح الدعم المقدَّم لهذا الطرف أو ذاك. تبقى الحال تراوح مكانها، مع جماهير متظاهرة على مدار الساعة تطالب بالتغيير، ونظام يلاقي الحد الأدنى من الدعم الغربي للبقاء. لا يوجد لدى الغرب من محفِّز قوي للمساعدة في حسم أمور اليمن بالسرعة المطلوبة، لتلبية رغبة الجماهير. اليمن ليس عضوا في «محور شر» السياسة الخارجية الغربية.

إيران ليست بعيدة عن قلب هدف السياسات الغربية؛ لا بل هي المستهدَفة الرئيسية منذ عقود. البرنامج النووي الإيراني على رأس قائمة أولويات التعامل مع الملف الإيراني. مكونات الجبهة الداخلية الإيرانية شبيهة إلى حد بعيد بنظيراتها العربية. التدخل الخارجي الغربي واضح في دعم حركات التمرد والانفصال والثورة الداخلية، القابلة للتحرك والتسيير. لا يوجد تعاطف غربي، ولو بالحد الأدنى، مع النظام السياسي الإيراني. الحركة الشعبية الإيرانية المتمثلة في المعارضة التقليدية تحظى بتأييد دولي واسع.

المثير للاهتمام في حركات التغيير الحديثة، هو تغيُّر المسميات؛ بالذات استعمال تعبير «ثوار» على المحتجين. الأنظمة السياسية المستهدَفة بالتغيير، تواجه «ثواراً». هؤلاء في الأصل كانت الكيانات «الثورية» تسعى لخلقهم في المجتمعات، ضد الكيانات الأخرى.

من أجل تحقيق مصالحه، يطبّق الغرب الشعار الثوري الصيني، الداعي إلى «محاربة الراية الحمراء براية أخرى حمراء»، ولو بطريقة مستعارة من الأعداء!