عبر أربعة عشر قرناً من الزمان، عاش الأقباط والمسلمون على أرض مصر، مكونين سبيكة نادرة الوجود من التجانس مع التعددية، ومقدمين للعالم مفهوماً غير مسبوق للوحدة الوطنية، البعيدة كل البعد عن العصبية الطائفية، أو الفكر القبلي.

 

ومع ما جرى في ميدان التحرير مؤخراً من ثورة شعبية تلاحم فيها عنصرا الأمة، بدا وكأن هناك صفحة جديدة من تاريخ النضال الشعبي المصري تكتب في سجل التاريخ. غير أن ما حدث بعدها في أكثر من موقع وموضع في طول البلاد وعرضها، يقطع بأن الحالة الطائفية المصرية ليست على ما يرام.

 

كانت الوحدة الوطنية المصرية، وعبر الزمان، أصلاً من أصول التكوين المصري العام، يضرب بجذوره في التربة الطينية التي شهدت مولد الجماعة المصرية على ضفاف النيل، فكانت وحدتهم البشرية استجابة للوحدة الطبيعية، التي جعلت من الوادي ودلتاه سهلاً منبسطاً، لا تحده موانع جبلية أو صحراوية أو بحرية، وعلى السهل المنبسط تطور الاتصال إلى اندماج وانصهار.

 

في كتابه البديع «مبدأ المواطنة»، يذهب أحد أهم المفكرين المصريين من الأقباط، المستشار الدكتور وليم سليمان قلادة، إلى القول بأن «الإسلام المصري تابع ما صنعته الكنيسة المصرية من قبل، إذ ألقى الإسلام بردته الدينية على مقومات الكيان المصري، .

 

والنتيجة لهذه الحقيقة هي أن التعدد الديني المصري نشأ وعاش في إطار من التجانس الذي تصنعه مقومات الكيان المصري، وهكذا صار في الحياة المصرية قطبان يجري الجدل بينهما وهما: التجانس؛ وتمثله الأرض وسيادة العرق المصري، ووسيلة الإنتاج الرئيسية التي هي الزراعة. والتعددية؛ ويمثلها الدينان المسيحية والإسلام»..

 

لم يكن المصريون، إذاً، يوماً اثنين بل واحداً، ولو أن واحداً من هذين القطبين «التجانس والتعددية» ساد، لانتثرت مصر أي تفتتت. فلو أن التجانس ابتلع التعدد من خلال هيمنة أحد المطلقين، لمحا وجود الآخر، ولو أن التعدد صار كاسحاً يكرس الفرقة، لما صارت للكيان المصري مقومات وجود موحدة.

 

والشاهد أن الأيادي السوداء الخارجية تحديداً، قد امتدت منذ قرون طويلة، في محاولات لا تعرف الكلل أو الملل لتفتيت الوطنية المصرية، وإحلال الطائفية محلها، لكن المصريين كانوا من الذكاء ورجاحة العقل في مواجهة الفتنة.

 

فعلى سبيل المثال، رفض الأقباط ـ ولا يزالون ـ القبول بفكرة الحماية الأجنبية، مؤكدين دوماً وأبداً أن حمايتهم الحقيقية في تقوية سبيكة النسيج الاجتماعي المنصهر في أفران الآلام والهموم الوطنية المشتركة.

 

حدث ذات مرة في نهايات القرن التاسع عشر، أيام البابا القبطي الأرثوذكسي بطرس السابع الذي امتدت ولايته من العام 1809 حتى العام 1852، أن أرسل قيصر روسيا مبعوثاً دبلوماسياً عارضاً عليه أن يضع الأقباط تحت حماية القيصر، فما كان من البطريرك القبطي إلا أن سأل المبعوث: «هل القيصر خاصتكم يموت؟»، فأجابه: نعم، فرد البطريرك بالقول: «اذهب وقل للقيصر إن الأقباط في حماية من لا يموت، ولا يغفل ولا ينام»..

 

كان هذا الرد دافعاً لقنصل روسيا في مصر، لأن يحدث والي مصر محمد علي باشا بالقول «لم تدهشني عظمة الأهرامات في مصر، ولا ارتفاع المسلات وكتابتها، ولم يهزني كل ما في مصر من عجائب بمقدار ما أثرت في نفسي زيارتي لهذا الرجل النقي حقاً، إنه بطريك الأقباط»..

 

على أن مياهاً كثيرة جرت في نهر الحياة المصرية، لاسيما في العقود الأربعة المنصرمة، ومعها بدأت مشاهد مؤلمة من التطرف الديني تعم الربوع المصرية، لا تفرق بين قبطي ومسلم، .

 

وتنسحب على الاثنين معاً، مشاهد من التعنت والتعسف والتطرف الداخلي من جهة، وتهديد بالاستقواء بالخارج من جهة أخرى.. وبين هذه وتلك ضاعت رسالة الدين الحقيقية، والتي هي رسالة روحية وعملية، بها تنتظم علاقة الإنسان بخالقه، وعلاقته بالأغيار من الناس، وهو في جوهره رسالة عبادة لله، وخير ورحمة بالناس.

 

ما العمل وقد باتت مصر أمام منعطف خطير من جراء التطرف؟

حتماً، إن مصر المتألمة اليوم بجانب حاجتها إلى تعزيز القبضة الأمنية لتوفير الطمأنينة لكل أبنائها، عطفاً على ترسيخ دولة القانون والمواطنة، هي في حاجة أيضاً إلى البحث من جديد عن هويتها التي تعرضت مؤخراً لتجاذبات ومشادات تنافي وتجافي حقيقتها التاريخية.

 

مصر في حاجة إلى إعادة اكتشاف هويتها في إطار الجماعة الوطنية، دون خطابات سلفية تنفي الآخر أو تعزله أو تسعى إلى إقصائه وحرقه.. وبالقدر ذاته في عوز شديد لخطاب قبطي يرى في الآخر جزءاً أصيلاً من الوطن، ولا ينظر إليه بوصفه وافداً أو ضيفاً، كما ذهب البعض مؤخراً مثيراً حزازات في الصدور، ومؤججاً نيران الفتنة.

 

الأيادي السوداء تدرك جيداً أن التجانس والتعددية في إطار الوطنية المصرية، هما حائط الصد الأول للأمن القومي المصري، وحال انهيار هذا الحائط، ستضحى مصر مهددة بما هو أخطر من الحروب الخارجية، وسيخسر الجميع خسارة لا معادل موضوعياً لها.

فهل يترفع المصريون بأقباطهم ومسلميهم في هذا الظرف، على الصغائر رافعين شعاراً واحداً «مصر فوق الجميع».