قبل اندلاع ثورة مصر بيومين فقط، وقف وزير الداخلية الأسبق «العادلي» في الاحتفال بعيد الشرطة يزف للرئيس السابق وكبار رجال الدولة نبأ القبض على مرتكب حادث تفجير كنيسة القديسين بالاسكندرية الذي هز مصر كلها وأوجع قلبها، خاصة أنه وقع ليلة الاحتفال بالعام الجديد ووسط احتياطات أمنية كبيرة، وفي ظل إنذارات مسبقة من تنظيم»القاعدة» بنسف الكنائس في مصر.

 

كان تفجير الكنيسة إعلاناً عن خلل فادح في المنظومة الأمنية انتهى بعد ثلاثة اسابيع بانهيار جهاز الأمن انهياراً كاملاً. وكان أيضاً تأكيداً على الأسلوب المتردي في التعامل مع مثل هذه الأحداث سواء من القيادة السياسية أو الأمنية.

 

فلم يصدق أحد أن هذا الشاب الذي لا يسمع هو الذي خطط ودبر ونفذ مثل هذه الجريمة، ولا أظن أن أحداً من المسئولين صدّق هذا الحديث، ولكن كان المهم أن يغلق الملف ولا يتم الإعلان الرسمي عن عجز أجهزة الأمن.

 

بعد الثورة، كان التصور أن الوحدة الوطنية التي تجسدت بصورة رائعة في ميادين التحرير التي احتضنت مصر بكل مكوناتها الطائفية والطبقية والسياسية سوف تجرف في طريقها كل مظاهر التطرف وتمنح مصر الفرصة لبناء الدولة الحديثة التي كانت هتافات الملايين في ميادين التحرير تؤكد على أنها»مدنية.. مدنية»لكن الميراث كان ثقيلاً، .

 

والأخطاء التي وقعت في التعامل مع العديد من القضايا زادت العبء، والارتباك الذي فرضته حالة الانهيار الأمني أتاح الفرصة لعناصر الثورة المضادة لكي تتحرك ولكي تستغل الاحتجاجات الفئوية التي انفجرت بفعل الظلم الطويل الذي تعرض له ملايين العاملين والفساد الذي انكشفت بشاعته. بعد مائة يوم من الثورة تشهد مصر أبشع الحوادث الطائفية التي مرت بها منذ سنوات طويلة.

 

تحرق كنائس ويسقط قتلي وجرحى من المسلمين والأقباط في حي»إمبابة» الملاصق لحي المهندسين الراقي بالقاهرة الكبرى. يستعيد الناس ذكرى «إمارة إمبابة» التي قامت قبل عشرين سنة حين ضرب التطرف مصر، وسيطر المتطرفون على مناطق عديدة معظمها في الأحياء الفقيرة والعشوائيات. يومها سقطت»إمبابة «تحت حكم جماعة يتزعمها « طبّال» اعتزل مهنته وأصبح أميراً على الحي الفقير، .

 

واحتاج الأمر لحرب حقيقية من أجهزة الأمن حتى استعادت الدولة سيطرتها على الحي، وعلى غيره من الأحياء خاصة في صعيد مصر. الآن يبدو الموقف أخطر وأكثر تعقيداً. فهناك ثورة لم تستكمل مهمة الاستيلاء على السلطة، وتمر بأخطر الفترات التي تمر بها الثورات قبل أن تحقق الاستقرار وتبدأ في بناء النظام الجديد .

 

. والخطير هنا أن سقوط النظام السابق ترافق مع انهيار أمني كامل كان من الممكن أن يقود البلاد إلى فوضى كاملة لولا التفاف المصريين حول جيشهم الوطني الذي حمى الثورة. كما ترافق ذلك أيضاً مع هروب آلاف المجرمين من السجون لينضموا إلى مئات الألوف من «البلطجية» الذين عملوا في السابق مع «الكبار» في تزوير الانتخابات واغتصاب الأراضي، والمستعدون الآن لخدمة قوى الثورة المضادة بإثارة الفوضى وتهديد الأمن.

 

لكن الأخطر كان أن كل ذلك لم يوضع فقط في خدمة «فلول النظام السابق» كما تعود البعض أن يقول، بل إن أكثر المستفيدين كانت جماعات التطرف الديني التي انتهزت الفراغ السياسي والأمني لتبسط سطوتها على الشارع وتثير الفتنة الطائفية وتفتح باب الحديث لأول مرة في مصر عن احتمالات الحرب الأهلية، حتى ولو كان الأمر حتى الآن مستبعداً.

 

في أعقاب الثورة برز تيار الإسلام المعتدل ممثلاً أساساً في جماعة «الإخوان المسلمين» التي شاركت في الثورة ولو متأخرا، والتي عانت كثيرا في ظل النظام السابق، والتي تملك قدرات تنظيمية وإمكانيات مادية فرضت بها وجودها على الساحة .

 

. لكن المفاجأة كانت من الظهور الكثيف والصاخب للجماعات السلفية التي لم تشارك في الثورة بل كانت ضدها، والتي كان ولاؤها للنظام السابق ثابتاً، والتي كان جهاز الأمن يستخدمها في مواجهة الإخوان المسلمين بحكم عداء قديم وفكر متعارض.

 

خرجت هذه الجماعات تعلن أنها تخلت عن معارضة العمل السياسي وانها ستنشئ أحزاباً وتخوض الانتخابات وإذا كانت بعض هذه الجماعات قد استمرت في نهجها المعتدل، فإن البعض الآخر عاد للغة الجهاد وبدأ في ظل الغياب الأمني في فرض سطوته بالعنف.

 

وبقطع الأذان وتحطيم الأضرحة والاستيلاء على المساجد والاعتداء على الكنائس، وخلق مناخ طائفي كان لابد أن ينتهي بكارثة مثل كارثة إمبابة بعد أن حولوا قضية إمرأة جمعت بين زوجين )قبطي ومسلم) إلى قضية قومية تهدد وطناً بأكمله!

 

أحداث إمبابة كانت تجسيداً للمخاطر التي لاتهدد الثورة فقط ، بل تهدد الدولة ووجودها، وبغض النظر عن التفاصيل، فقد وجدت مصر نفسها أمام تحالف غريب من «بلطجية» خارجين على القانون، .

 

ومن جماعات دينية متطرفة مستعدة لحرق البلد بكامله من أجل إمرأة لم تركع لله يوماً، ثم متآمرين يملكون المال ويحلمون باستعادة النفوذ الذي فقدوه مع الثورة.

 

الصدمة كانت مروعة، والخيار أصبح واضحا: المواجهة أو الفوضى، والقرارات التي كان ينبغي أن تصدر منذ اليوم التالي لسقوط النظام السابق وتلكأت، بدأت في الصدور .

 

: الشرطة استقبلت 50 ألف عنصر جديد ومعهم كل الإمكانيات المطلوبة لإعادة الأمن خلال أيام وليس أسابيع، أحكام رادعة ومحاكمات سريعة وحاسمة لكل المتورطين في اعتداءات طائفية أو حوادث بلطجة. قوانين طال انتظارها لمنع التمييز والطائفية. ردع لابد منه للجماعات المتطرفة التي تثير الفتنة

 

. اختبار صعب لجماعات الإسلام المعتدل تختار فيه بين التحالف مع الجماعات المتطرفة او الانفتاح على باقي التيارات التي تسعى لترسيخ مدنية الدولة، ثم تأجيل متوقع للانتخابات البرلمانية التي كانت مقررة في سبتمبر، مع رسالة تقول إن القوات المسلحة لن تترك مصير الوطن بيد من يقودونه إلى جحيم الحرب الأهلية.