ونحن نعيش أفراح الذكرى الخامسة والثلاثين لتوحيد قواتنا المسلحة الباسلة، أطل علينا سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بفكره النيّر ونظرته الاستراتيجية ذات المدى البعيد، ليطلق دعوة وطنية خالصة لأبناء الشعب الإماراتي، تتضمن ضرورة التسلح بالعلم والعمل، من أجل مواصلة مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة، وحماية مكتسبات الوطن التي أرسى معالمها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله.

هذا التزامن بين هذه المناسبة المعطاء، ودعوة التسلح بالعلم والعمل، له معانٍ ودلالات، علينا أن نسبر أغوارها لنتعلم المزيد من دروس الحياة من تلاميذ مدرسة الشيخ زايد، رحمه الله.

فالدرس الأول الذي نخرج به، هو ضرورة المزاوجة بين العلم والعمل، بين النظرية والتطبيق، فالعلم أصبح اليوم المعيار الأول لقياس رقي الأمم، وتسخير هذا العلم في تقنيات متقدمة، مثل ما بات يسمى بتقنيات الاتصالات والمعلوماتية، هو الذي أصبح يحدد مسارات الاقتصاد العالمي من خلال ما يسمى باقتصاد المعرفة والتكنولوجيا. وهنا يجب أن ننتبه جيداً إلى نقطة مهمة جداً أشار إليها ضمنياً الشيخ محمد بن زايد، وهي أنه لا يكفي أن نتعلم ونصنع وننافس الآخرين، بل يجب أن نتعلم ونصنع وننافس الآخرين وأن نعلّم الأجيال القادمة أسرار العلم والتصنيع معاً، حتى تستمر المسيرة.

أما الدرس الثاني، الذي يمكن أن نخرج به، فهو أن الإنجازات التي تحققت لدولة الإمارات، ينبغي حمايتها على أتم وجه، وينبغي توفير الأمن لمسيرة التنمية الوطنية، في الحاضر والمستقبل.

ولعمري، فإن الخارطة الإدراكية للفكر الاستراتيجي للشيخ محمد بن زايد، ذهبت لتسبر أغوار المستقبل، حيث شخصت هذه الخارطة الإدراكية بدقة تحديات المستقبل ورسمت صورتها، وتوصلت إلى حقيقة مهمة مفادها أن المستقبل سيشهد الجيوش الالكترونية، وفق قاعدة أنه كلما كان عديد الجيوش كبيراً، كان ذلك مؤشراً على تخلفها، وكلما كان عدد الجيوش قليلاً، كان ذلك مؤشراً على تطورها، لأنها تعتمد على تقنيات متطورة كبديل أساسي عن العنصر البشري. وملامح ذلك بدأت تظهر في العديد من الجيوش المتقدمة، مثل تقنيات الطائرات من دون طيار، والأقمار الصناعية المسيّرة من الأرض.. وغير ذلك كثير.

أما الدرس الثالث الذي نخرج به من دعوة التسلح بالعلم والعمل، فإنه يجب أن يكون موعد هذه الدعوة نقطة انطلاق لترسيخ، أولاً، ثقافة العلم والمعرفة وأهمية التصنيع في المجتمع الإماراتي، وأن تكون هناك في كل ذكرى سنوية لعيد جيشنا الأغر، وقفة تأملية لتقييم ما حققناه من إنجاز في هذا المجال. ويجب أن يتزامن ذلك، ثانياً، مع خطة وطنية تشارك فيها جميع مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، ولا مانع من الاستفادة من خبرات المقيمين في بلادنا، من أجل تطوير القطاع الصناعي الوطني، ونحن نرى أن يتم التركيز على صناعات التكنولوجيا، فالذين تقدموا في هذا النوع من الصناعات من الدول، هم بشر مثلنا تعلموا ثم بدأوا بالتجربة تلو الأخرى، إلى أن نجحوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، كما يقول الصينيون.

وأرى أن تبدأ جامعاتنا العلمية والتقنية بتنظيم برامج مشاركة تدريبية لطلابها وباحثيها، في العطلة الصيفية مع كبار شركات التصنيع العالمية، من أجل تحقيق الاحتكاك العلمي والحرفي، وتبادل الخبرات والمهارات مع خبراء هذه الشركات، ومما يسهل هذه المهمة أن كبرى هذه الشركات لديها فروع في ربوع دولتنا الحبيبة، مثل شركة «سوني» و«باناسونيك»، وغيرها كثير.

وليس ذلك بمعجز لشبابنا الإماراتي الواعد، لاسيما وأن وراءهم قيادة حكيمة، تصل الليل بالنهار وعاهدت الله والوطن، على أن تبذل الغالي والنفيس من أجل رفعة بلدنا الغالي.