قبل أيام عاشت دولتنا، ولا تزال، الذكرى الخامسة والثلاثين لتوحيد القوات المسلحة.. التي امتزجت في نفس كل مواطن بالفخر والاعتزاز، لما آلت إليه قواتنا المسلحة من تقدم وتميز وتطور نوعي، تشهد له بصمات الاستقرار المحلي والحضور العربي والإقليمي في جميع الوقفات التي استدعت رايات جيش الوطن حاضرة خفاقة، هذا فضلاً عن التقدير الدولي الذي يشيد بالمستوى الذي وصلت إليه قواتنا المسلحة، على مستوى التجهيز والتدريب. وترفد ذلك جهود متواصلة في ميادين التدريب ومعاهد الإعداد، في سبيل تطوير القدرات وصقل المهارات لمزج المهارة الميدانية مع القدرة العلمية، وتقديم نموذج جيش وطني مسلح بالعلم والتفاني في أداء العمل، حتى أصبحت قواتنا المسلحة أداة مهمة من أدوات صناعة السلام.

 وفي حين تسعى الدولة إلى وضع بصمتها في سجل بناء الحاضر والمستقبل، وترنو إلى ترك إضاءتها في منارات الماضي تستهدي بها الأجيال، كان لا بد لها مع حركات النهضة من قوة تحمي المكتسبات وتصون المقدرات، وتركن إلى جيش يعيش من أجل الوطن وأبنائه، ويرتقي بأدائه وتميزه ليواكب تدفق البناء والنهضة التي تغمر أرجاء البلاد. ولذلك كان توحيد القوات المسلحة الثمرة الحقة الواجبة لقيام الاتحاد الميمون، وكلاهما يدان في جسد الوطن، فبإحداهما تُبنى نهضة الأمة، وبالأخرى تُحمى مكتسبات الوطن. هي معادلة واضحة لا يستغني أحد طرفيها عن الآخر، ما دام الهدف واحداً رسمه الآباء القادة الأوائل المؤسسون، يقوم على نقل الإمارات إلى قوة الاتحاد، والاعتصام براية واحدة تمنح الجميع قوة الجميع.

في مناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لتوحيد قواتنا المسلحة، أرسى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، منطلقات جيش الاتحاد وفلسفته التي قام عليها في إظهار البعد الحقيقي الذي سار على نهجه، والغايات النبيلة التي يسعى إليها، في إشارات تفسر مواقف الحاضر والماضي، وتمنح استراتيجية الانطلاق نحو المستقبل..

ولذلك نرى من الواجب الوقوف عند بعض الإشارات التي اشتملها خطاب سموه، لننقل ساحة الاعتداد إلى نفوس أبناء الوطن غضّة حية، كما هي في نفوس قادة الوطن والساهرين على رفعته وحماه. فتوحيد القوات المسلحة كان كما أكد سموه «خطوة مهمة على طريق بناء دولة المؤسسات، ومنطلق تمكين لتجربتنا الاتحادية، وسياج تحصين لمسيرتها ومبعث تطمين لأبنائها»، نلمس بلا شك هذه الغاية السامية التي كان من أجلها قرار توحيد القوات، ونعلم أيضاً ما أثمرته على صعيد الاستقرار الدافع إلى النهضة والعمل والعطاء لجميع أبناء الإمارات.

وما يبعث على الفخر في فلسفة جيشنا الاتحادي الكبير، تكامل الواجب الأساسي المتمثل في الدفاع عن الوطن وحماية أمنه واستقراره، مع الحرص على الأمنين الإقليمي والدولي، مما فرض عليه واجبات ومسؤوليات في إطار عقيدته العسكرية القائمة على صون الحق والدفاع عنه، والاحترام الكامل للقوانين والالتزام الثابت بالمبادئ. وهذا يمثل ترجمة حقيقية لموقف دولتنا من درع الجزيرة ومشاركتها فيه، لأنه إحدى آليات التعاون العسكري الواجب بين دول مجلس التعاون. كما أن فلسفة جيشنا الاتحادي الإماراتي ظهرت ناصعة مشرفة في المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية، التي تشكل إحدى أدوات حفظ الأمن والسلم الدوليين، فكان «الدور الذي لعبته قواتنا المسلحة في الساحتين الإقليمية والدولية، مثلاً في الانضباط ونموذجاً للتفاني في أداء الواجب، وأعطت مساهماتها في عمليات الإغاثة والمساعدة الطبية في ميادين عملها كافة، طابعاً إنسانياً لما تقوم به هذه القوات من واجبات ومهام».

وقفة أخرى وقفها صاحب السمو رئيس الدولة في إظهار منطلقات القوات المسلحة في عيد توحيدها، وهي وقفة موجهة إلى جميع أبناء الوطن ليعمهم واجب العمل للبلاد وحمايتها، «فحماية الوطن ليست واجباً عسكرياً فقط، بل هي مسؤولية جماعية ينهض بها الجميع، كل في ميدانه وفي مجال اختصاصه في إطار من التكامل والتعاضد، فحماية المكتسبات والإنجازات التي تحققت على أرض الإمارات وتعظيمها، تتطلب فهماً للأخطار والتحديات التي تحيط بنا، ووعياً بكيفية التعامل معها والوقاية من شرورها وأخطارها». وهذه النقلة النوعية في تعميم المسؤولية على جميع أبناء الوطن عسكريين ومدنيين، تختزل نظرية البناء الحضاري التي تحملها الإمارات لها ولحاضنتها العربية والإقليمية وللعالم أجمع، وتؤسس لمنطلقات السلام العالمي التي تفخر بها، فالقوة لم تكن يوماً إلا لصيانة مكتسبات البناء والحضارة، والجيوش تصل أرقى ما أسست من أجله، حين تكون حامية للمعاني الإنسانية وصيانة الشعوب من الطامعين من أصحاب النفوس الضعيفة، أو الراغبين في خيرات الآخرين بالسطوة على حقوقهم.

نضع أيدينا مع أيدي قواتنا المسلحة في مسيرة البناء والحضارة والإنسانية، وحماية السلم والأمن العالميين، ونبارك لنا ولهم جميعاً خمسة وثلاثين عاماً من التميز والعزة والفخر.