تناولت الصحافة المحلية في الآونة الأخيرة، قضايا الجمعيات ذات النفع العام بالتركيز على تراجع دورها المجتمعي، وبدا وكأن واقع هذه الجمعيات يحظى باهتمام كافة الجهات المعنية بقضايا العمل الاجتماعي التطوعي.. ففي المجتمعات المعاصرة وبسبب تبني الدول سياسات إعادة الهيكلة والخصخصة، انفتح الباب على مصراعيه للقطاع الثالث، كي يسهم بفاعلية في دعم الجهود الرسمية لدفع عجلة التنمية الاجتماعية والارتقاء بقطاع الخدمات الاجتماعية، خصوصاً في ميادين خدمات الصحة والتعليم وإصحاح البيئة.

 

وعلى رغم ما يثار عن تراجع دور الدولة في دعم الخدمات الاجتماعية، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تحتل موقع الريادة فحسب بالنسبة لدول المنطقة، كما ورد في تقرير التنمية البشرية لعام ‬2010 لكونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي خصصت في ميزانية ‬2010 ما قيمته ‬13,8 مليار درهم، أي ما يعادل ‬41٪ من إجمالي مشروع الميزانية العامة لقطاع التنمية الاجتماعية، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تنفقه دول لقطاعات تنموية عديدة..

 

والمعروف أن قطاع التنمية الاجتماعية حصد النصيب الأكبر في ميزانية الدولة لعام ,‬2010. ويضم هذا القطاع؛ التعليم العالي والتعليم العام والجامعي، والصحة والعمل والشؤون الاجتماعية، والشؤون الإسلامية والثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وبرنامج الشيخ زايد للإسكان.

 

ولا تفوتني الإشارة إلى أن الدولة خصصت مبلغ ‬4,8 مليارات درهم إضافية للمنافع الاجتماعية، للإنفاق على معاشات التقاعديين ومعاشات العسكريين المتقاعدين، وذلك قبل إنشاء الهيئة العامة للمعاشات. تأسيساً على ما تقدم، فإنه لا أحد يستطيع التقليل من دور الدولة وإسهامها المباشر لتنفيذ السياسة الاجتماعية من أجل بناء مجتمع الرعاية والتنمية المستدامة..

 

ويبقى للجمعيات ذات النفع العام أن تعدل من أوضاعها بصياغة استراتيجية، كي تستطيع تفعيل الشراكة بينها وبين كافة مؤسسات الدولة المعنية بقطاع العمل الاجتماعي.. لأن الحراك الاجتماعي لم يعد مسؤولية الدولة وحدها، بل أصبحت المنظمات والجمعيات والهيئات الأهلية مناط بها أن تدعم جهود الدولة، خصوصاً أن الدولة تدعم هذه الجمعيات وتتولى الإشراف الفني عليها.

 

إن كل الشواهد تؤكد أن معظم الجمعيات ذات النفع العام تتنفس بصعوبة، بسبب حالة الخمول الذي تعانيه..ويبقى السؤال المطروح؛ ما هي العوامل التي أقعدت العديد من الجمعيات عن تحقيق أهدافها؟ وما هي أسباب تراجع عضويتها وعدم مشاركتها في ما تم تنظيمه من أنشطة وبرامج؟

 

رب قائل إن الصلة بين القيادة والقاعدة معدومة أو ضعيفة، وهنالك من يرى أن انعدام أي منفعة مباشرة للعضو تحول بينه وبين التعامل مع الجمعية..

 

ومهما يكن فإن محصلة محاولات الإجابة على السؤال المطروح، تبقى متباينة ومتعددة.. وبما أن الجمعيات تستعد لعقد اجتماعاتها العاملة للجمعيات العمومية في هذه الفترة، فإن الأمل معقود على أن تبدأ قيادات هذه الجمعيات اتخاذ سلسلة من التدابير الإجرائية التي يمكن أن تحفز الأعضاء للمشاركة في انتخابات الجمعيات العمومية..

 

وهنا لا تفوتني الإشارة للدعم اللامحدود الذي قدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي منح الجمعيات ذات النفع العام مقرات على قناة القصباء، إذ خص كل جمعية بمقر داخل بناء معماري متميز، ومزود بكل ما تحتاجه أي جمعية من مستلزمات ضرورية، بالإضافة إلى دعم مالي مقدر.. ورغم هذا الدعم غير المسبوق، ما زالت أغلبية الجمعيات تراوح مكانها وهي في حالة ثبات وبيات طويل الأمد!

 

علينا ألا نفقد الأمل في إعادة الروح مجدداً إلى أوردة وعروق الجمعيات، التي هي في أمسّ الحاجة إلى الإنعاش حتى تعود لها الحياة، وتستفيق من حالة سباتها العميق، وربما يكون مفيداً أن تنتظم قيادات كل الجمعيات المشهرة بموجب القانون الاتحادي رقم ‬2 في شأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية لعام .

 

‬2008. وبالأمس القريب اختتم مؤتمر الإمارات للتطوع أعمال دورته الثانية، لكنه كالعادة، لم يتطرق إلى مناقشة قضايا الجمعيات التطوعية الأهلية، إلا أن من بين أهم توصياته العمل على ترسيخ ثقافة العمل التطوعي والمجتمعي، عبر طرح مبادرات من شأنها استقطاب الشباب في الأعمال التطوعية، كما أوصى بضرورة تضمين التطوع كمساق ضمن المناهج الدراسية في المدارس والجامعات..

 

وما يهمنا التأكيد عليه هو أن الطابع المظهري والاحتفالي لمثل هذه المؤتمرات، يفرغها من محتواها ويحيلها إلى مناسبات للتكريم وتوزيع الجوائز لمن يستحق ومن لا يستحق..

 

بينما تبقى القضية الجوهرية موصولة بالسؤال المطروح: كيف يمكن إيجاد حلول تساعد على تفعيل الجمعيات ذات النفع العام لتخرج من عنق الزجاجة ولتباشر دورها الريادي في دعم العمل الاجتماعي والإنساني، في سياق رؤية تطويرية لقانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية ذات النفع العام، والمعروف بالقطاع الثالث؟!