قبل حوالي عقد أو عقدين كانت مدن الإمارات تضاهي في بنيتها المدن العالمية الكبرى ولكنها تتميز عنها في أن المقيم فيها يحظى بخدمات ورفاهية المدن العالمية دون أن يضطر إلي دفع ضرائب الإقامة في تلك المدن.
فلا زحام ولا ضجيج ولا تلوث ولا جرائم منظمة، وفوق هذا وذاك لا ضرائب فعلية تدفع ولا رسوم عالية تجبى. وكان المقيم يحظى بمستوى عيش متميز وراق وخدمات متطورة ورخيصة.
فلا رسوم على استخدام الطرق ولا المواقف، بل لا رسوم على معظم الخدمات المقدمة. فقد تمتع الجميع - مواطنين ووافدين ــ بخدمات حكومية معظمها مجانية وبمستوى أمنى قل نظيره بين مدن العالم الكبرى، وببيئة صحية ونقية وآمنة.
لذا كانت الإقامة في الإمارات تمثل للقادم إليها كالوافد إلي المدن المثالية. فقد عرف عن الإمارات بأنها دولة رفاهية. وتدريجيا شاع صيت الإمارات حتى أصبحت مقصداً للزائرين ورجال الأعمال والراغبين في العمل والإقامة الطويلة أو القصيرة أو السياحة حتى أصبحت مدن الإمارات، حتى الصغيرة منها كبيرة. ولم تعد السياسات الحصرية المتبعة مناسبة لذلك التوافد السكاني الكبير. لذا كان لزاما على الحكومات المحلية أن تغير من سياساتها لمواجهة تبعات ذلك التزايد السكاني.
فنظرا للضغط الكبير الذي سببه الطلب على الخدمات المقدمة كالطرق وشبكة المياه والكهرباء والمؤسسات التعليمية والصحية وكافة الخدمات الأخرى كان لزاما اتباع سياسة ذات حدين: توفير موارد إضافية للصرف منها على تحسين وتطوير تلك الخدمات، وأيضا ترشيد استهلاك الخدمات. بمعنى آخر لم تعد سياسة الرفاه ومجانية الخدمات مناسبة لتلك المرحلة.
وكان لا بد من التغير في النظم والقوانين والتشريعات حتى يتسنى للحكومات المحلية من استمرارية تلبية الطلب الكبير على الخدمات ولتوفر عوائد معقولة للصرف منها على تطوير الخدمات في المستقبل. وتدريجيا تغيرت الكثير من النظم والقوانين المحلية والاتحادية لكي تواكب هذه السياسة الجديدة.
وبدأ في البداية فرض رسوم بسيطة على الخدمات المقدمة ولكن استمرار الضغط المرتبط باتساع المدن واستمرار التدفق السكاني أدى تدريجيا إلى زيادة الرسوم المفروضة واستحداث أخرى. فالكثيرون من مقيمين وزائرين- يشتكون من المغالاة في الإمارات في أسعار بعض السلع والخدمات، مقارنة مثلا ببقية دول مجلس التعاون.
هذه المغالاة التي يبررها البعض بأنها مرتبطة بالعرض والطلب. فمدن الإمارات تستقبل سنويا ملايين الزائرين والمقيمين الذين يأتون للعمل أو الزيارة وهم بلا شك يؤثرون على ميزان الأسعار. فمثلا مدينة كدبي على الرغم من صغر مساحتها إلا أن عدد سكانها يكاد أن يصل إلى مليوني نسمة حسب التصريحات الأخيرة.
ولا يخفى على أحد أن غلاء السلع والخدمات في مدن الإمارات، خاصة الكبيرة منها، أصبحت أهم مسببات القلق للمقيم أو القادم إلي الإمارات. فالغلاء هو أساسا أحد أهم العناصر الذي يقلق الفرد الراغب في الانتقال من مكان إلى آخر سواء للعمل أو السياحة أو الزيارة.
ولكن لو درسنا أسباب الغلاء في مدن الإمارات فليست جميعها من المصدر العالمي، بل هناك بعض مسببات الغلاء تعود لأسباب داخلية ويمكن التحكم فيها دون أن نثقل كاهل الفرد والأسر بخلق بنود جديدة في ميزانيتهم سنوياً.
وبالطبع نحن لا نتحدث هنا عن الغلاء في أسعار السلع والبضائع المستوردة، ولا عن الغلاء في أسعار الوحدات السكنية المبالغ فيها، بل الغلاء في أسعار بعض الخدمات المقدمة وتلك التي استجدت حديثاً وأصبحت تحتاج بنداً خاصاً في ميزانية كل أسرة. فارتفاع الرسوم على الخدمات المقدمة كالخدمات الصحية والتعليمية والطرق والمواقف.
بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الضجيج والزحام والتلوث ونسب الجريمة سوف يحرم مدن الإمارات تدريجياً من ذلك التميز الذي تمتعت به قبل عقود ويحول الإقامة في مدن الإمارات لتكون كالإقامة في المدن العالمية الكبرى بكل سلبياتها. رسوم الخدمات لم تزد فقط بل أضيفت إليها بنود جديدة تحت مسميات عدة .
فرسوم استخراج البطاقات ورسوم المنشآت ورسوم استخراج بطاقات الهوية للأفراد وخدمهم ورسوم توصيل المعاملات عبر شركات البريد السريع، ورسوم إنجاز المعاملات السريعة وغيرها من الرسوم أصبحت اليوم تثقل كاهل كل أسرة. هذه الرسوم الكثيرة حلت محل الضرائب التي يدفعها المقيم في المدن الكبرى وتدرجيا دخلت مدننا في سباق مع المدن الأغلى في العام.
أن فرض تلك الرسوم التي هي بلا شك تعد مصدرا مهما للصرف على أوجه تحسين الخدمات وجودتها لم تنعكس دوما بإيجابية على مستوى كل الخدمات. فبلا شك هناك خدمات شهدت تطوراً كبيراً كنوعية الطرق وأمنها واتساعها، وكذلك خدمات الماء والكهرباء وخدمة العملاء وغيرها.
ولكن هناك خدمات يشتكى الكثيرون من تدهورها أو ضعف مستواها مقارنة بالتطور الذي لحق بباقي الخدمات كبعض الخدمات الصحية والتعليمية مثلا. لذا يبرز سؤال أخر وهو هل يدعو ذلك الضعف أو التدهور إلي فرض رسوم إضافية أم إلى خطط جديدة للاستفادة من كل الموارد المادية المتوفرة في تحسين نوعية الخدمات وأدائها وجودتها؟
الإقامة في مدن الإمارات حاليا ومستقبلا يجب أن لا تكون مكلفة للفرد مادياً ومعنوياً وصحياً وبيئياً. فسمات المدن المثالية هي سهولة العيش وانسيابية الحركة العامة في مجملها، وخلوها من البيروقراطية المدنية وتوفر الأمن والأمان فيها وهي قضايا جميعها متوفرة في مدننا.
ولكن توجيه مؤشر الأسعار والخدمات ليتلاءم مع الواقع الاقتصادي وظروف المجتمع والظروف العالمية هو أيضا قضية يجب التحكم فيها حتى لا تتحول مدن الإمارات إلى مدن يتجنبها الزائر والسائح ويتحمل المقيم فيها ضريبة أكبر من تلك المفروضة في المدن العالمية الكبرى.