أخبرني صديق بأنه كان يتحدث إلى مجموعة من أصدقائه عن الفلسفة، فانبرى له أحد الحضور نافياً القيمة الفكرية لها ومسفّهاً بها من خلال استشهاداته بكلام مجموعة من الفقهاء وعلماء الدين، كالشافعي والسيوطي وابن الجوزي، وغيرهم ممن رفضوا فلسفة أرسطو واتهموا من اشتغل بها بالإلحاد والضلال، وعندما حاول أن يحاوره بالحُسنى، ردّ عليه بأن الفلسفة نوعٌ من الإلحاد وقد أُغنينا عنها باتباع منهج السلف.
عندما نراجع تاريخ الحضارة الإسلامية، نجد بأن الإنتاج الفلسفي والفكري لم يقل غزارة عن الإنتاج العلمي وخصوصاً في مراحل النهضة الإسلامية إبان الدولتين العباسية والأندلسية، وعندما يتفاخر أحدنا أمام غير المسلمين بأن أجداده قد أضاؤوا الدنيا بحضارتهم خلال ثمانمائة عام رزحت خلالها أوروبا في ظلام دامس، فإنه لا يدري بأن مفاخرته تلك تنبع من الإنتاج الفلسفي للعلماء المسلمين الذين استقت منهم أوروبا منهجها الفكري، والذي يصفهم هو بالملاحدة والمضلين. فأوروبا لم تنقل العلوم من المسلمين بقدر نقلها لفلسفتهم التي استفادت من الفلسفة اليونانية ثم تأثرت بتعاليم الإسلام واختلطت بالفقه، إلى أن برزت كفلسفة أخلاقية ومعرفية أكثر عمقاً مما سبقها.
إن آراء الغزالي في الفارابي لا يعني إلغاء دوره كفيلسوف أُطلق عليه لقب (المعلم الثاني) نسبة إلى أرسطو الملقب بـ (المعلم الأول)، وانتقاد ابن تيمية لابن سينا ووصفه إياه بأنه اسماعيلي باطني، لا يبرر القول بأن الفلسفة ضلال وهرطقة، فعلى الرغم من شطحات هذين الفيلسوفين حول الوجود، إلا أن إنتاجهما الفكري والعلمي يظل علامة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، وآراء علماء الدين ليست نصوصاً شرعية نأخذها دون أن نُمعن النظر فيها وندرس الظروف التي أحاطت بها. كما أن ذلك لا يُبرر تهميش أهمية الفلسفة في المنظومة الفكرية الإسلامية، ودورها في بناء الفكر الإنساني بشكل عام. إن إحدى مشكلاتنا هي أننا نسأل عن مذهب الإنسان قبل أن نسأل عن علمه، ولذلك فإننا نقوّض كل قاعدة مشتركة لمحاورته أو نقده بشكل علمي ومعرفي، ونُهدر كل فرصة للتقارب الفكري معه.
مشكلة الخطاب الديني في المنطقة اليوم أنه يُمجّد كل ما يأتي من القديم لكونه قديماً بغض النظر عن أصالته، أي بغض النظر عن كونه يناسب النمو العقلي والمعرفي الذي وصلت إليه البشرية اليوم أم لا، ولأن الخطاب الديني يتّسم بالقدسية في الذهنية العربية، فإن الناس يتحرّجون من الاستفسار حول بعض المفاهيم التي أقرّ بها علماء دين قدماء، ويُضطرون أن يُذعنوا لها حتى لا يقعوا ضمن دائرة الضالين.
ولو أن أحدنا قال اليوم بأنه لا ينتمي إلى إحدى المذاهب السنيّة الأربعة، وقال بأنه يعتقد بأن تلك المذاهب هي فهم بشري للنصوص المقدسة في مرحلة ما، وبأنه يحتاج إلى فهم جديد للواقع - ليس بالضرورة أن يكون مخالفا لتلك النصوص - لرُمي بالضلال.
إن إحدى التحديات التي يواجهها العقل العربي اليوم هي إعادة قراءة تاريخه الديني والسياسي بحيادية كبيرة وباستقلالية عن الموروثات الفكرية والاجتماعية، ولا يعني ذلك الانفصال عنها، ولكنه يعني عدم إقحامها عنوة في بحثه المعرفي عن الحقيقة، ومن أراد أن يصل إلى الحقيقة، فإن عليه أن يتحلى بقدر عالٍ من الشجاعة والإخلاص.
يواجه الخطاب الديني تحدياً أمام انفتاح العقول الشابة على العالم بمختلف ثقافاته ونظرياته، فلقد تشكلت لدى هذه العقول أسئلة حرجة، قد تصل أحياناً إلى تساؤلات حول الوجود وفي العقيدة، وإذا لم تتمكن التيارات الدينية من فهم هذا البعد الحداثي الذي يزداد شعبية في المجتمعات العربية والمسلمة كل يوم، فإنها بالتأكيد لن تستطيع أن تتفاعل مع الناس بالنسق التقليدي التي تنتهجه.
لقد كان للفقه - الذي يعد أحد الركائز الأساسية في الخطاب الديني - دور عميق في حياة المسلمين العلمية والفكرية، حيث تطور مع الزمن وانتقل من كونه فقهاً يتفاعل مع الأحداث، إلى فقه يستبق الأحداث ويفترضها، وبالتالي كان قادراً على وضع الحلول والرؤى المناسبة لها، ولذلك، كان الخطاب الديني في مراحل بروز الحضارة الإسلامية يشكل ركيزة معرفية، ليس في الجانب العَقَائدي فقط، ولكن في الجانب المعرفي والتنويري في حياة المسلمين.
فمعظم العلماء وحتى الفلاسفة المسلمين اشتغلوا بالفقه، أي أنهم كانوا مدركين لأهمية تأسيس خطاب ديني حداثي، بمفهوم كل مرحلة، لكي لا تحدث قطيعة بين الدين وبين الناس.
يقول الخوارزمي في مقدمة كتابه (الجبر والمقابلة) إنه ألّفه من أجل أن يُلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسماتهم وأحكامهم وتجاراتهم. أي أن تأسيسه لعلم الجبر كان نابعاً من فهمه للنصوص الدينية ومن ثم استجابة أو ربما استباقاً لحاجة الناس لأسس وأنظمة يرجعون إليها في فقه المواريث.
أما اليوم فإن الخطاب الديني مشغول، في غالبيته، في قضايا هامشية تدور حول النبش في معتقدات الفرق الإسلامية، أو مهاجمة الدعاة الذين ينتمون إلى تيارات أخرى، ولذلك فإنه يمر بأزمة معرفية حصرته في الجانب الدعوي، وابتعد عن الجوانب الفكرية، وأهمل قضايا الملسمين الكُبرى.
عندما حرق محمد بوعزيزي نفسه في تونس ظهر لنا رجال دين ينفون عنه صفة الشهيد، ويحذّرون الناس من إلصاق ذلك اللقب به، وعندما قُتل أسامة بن لادن ظهر رجال دين آخرون ينتقدون طريقة التخلص من جثته في البحر، ويعدون ذلك تعدياً على الشريعة الإسلامية، وفي كلتا الحالتين أغفلوا الجوانب الفكرية والاجتماعية والسياسية لتلك الأحداث، وما نتج وسينتج عنهما من تغييرات جذرية على مختلف المستويات الإنسانية في تاريخ الأمة.
قرأتُ قبل يومين سجالاً حاداً بين مجموعة من الناس وبين رجال دين على الإنترنت حول كون بوعزيزي وابن لادن من الشهداء، فقلتُ في نفسي: « آن للغَرْبِ أن يمدّ رجليه كيفما يشاء».