عناوين كبيرة لافتة للنظر تتصدر الأخبار عن الوضع في العراق، نقلتها وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، وما يميز هذه الأخبار أنها مقلقة تثير الكثير من التساؤل حول مستقبل البلد، وتشير إلى مدى بعده عن الاستقرار.
أبرز هذه العناوين، وليس جميعها: شهر إبريل المنصرم أكثر الأشهر دموية بالنسبة للقوات الأميركية في العراق منذ نوفمبر عام ,2009. الولايات المتحدة ترغب في إبقاء بعض قواتها في العراق لما بعد الاستحقاق الزمني للانسحاب.. التيار الصدري يهدد برفع الحظر عن نشاطات جيش المهدي وباستخدام السلاح ضد القوات الأمريكية إذا لم تنسحب، حسب الاتفاقية، نهاية العام الحالي،.
ويعلن أن هذا الجيش قد يضم مقاتلين أجانب.. مصادر أمريكية تسرب أخباراً مفادها أن طاقم سفارتها في بغداد، بعد انسحاب قواتها، سيضم عشرين ألف شخص بين دبلوماسي وإداري.. ضحايا المسدسات الكاتمة للصوت يبلغون ستة وثمانين شخصاً في بحر أسبوعين.. الجعفري يتوسط لحل النزاعات بين رئيس المجلس النيابي أسامة النجيفي ورئيس الوزراء نوري المالكي..
المالكي يهدد بإقالة الحكومة والدعوة لانتخابات نيابية جديدة.. إياد علاوي يهدد بالانسحاب من العملية السياسية ما لم تنفذ تفاهمات أربيل.. الأمين العام لحزب الدعوة، يهدد بنسف ائتلاف دولة القانون إذا لم يتم تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية..
أعضاء في المجلس النيابي يتساءلون حول منصب نائب رئيس الجمهورية، هل يشغله شخص واحد أم اثنان أم ثلاثة أم أربعة، مع أن مهام رئيس الجمهورية نفسه ليست أكثر من مهام بروتوكولية حسب الدستور.. المتظاهرون عند وعدهم كل يوم جمعة، والتصميم على تغيير حقيقي لا يفارق دخائلهم.. الأحزاب الكردية تواجه تململ المدن الكردية بالقمع..
كركوك تطل بقوة على الساحة السياسية العراقية، مهددة بتغيير الخرائط المرسومة دون علمها.. الوزارات الأمنية الثلاث لا تزال شاغرة منذ ما يزيد على السنة.. العراق يفشل في احتضان القمة العربية التي أجل موعد عقدها إلى أجل غير معلوم، وليس هناك ما يؤكد أن العاصمة العراقية ستحتضنها.
هذه بعض المحاور الرئيسية التي تتحكم في مسارات العملية السياسية ومستقبلها في العراق، تكشف من ضمن ما تكشف، مقدار التشظي في المجتمع العراقي، ومدى التناقضات بين النخب الحاكمة، ومدى بعدها عن أوجاع الشعب. أما على المستويات الأقل أهمية، فليس عسيراً أن نشهد ما يشابه ذلك في كل محافظة.
ولا نريد هنا الدخول في تفصيلات ذلك، لأنها غير قابلة للحصر في سطور قليلة داخل هذه المقالة من جهة، ولأن القراء قد سئموا الاستماع إليها من جهة أخرى. أما على مستوى التفصيلات فهناك الكثير جداً منها في كل من المحاور التي تطرقنا إليها.
اللاعبون الكبار في هذا المشهد المعقد أفراد قلائل، أضيف إليهم مؤخراً لاعب جديد غير مرحب به، لكنه أكثرهم خطورة في مرحلة خطيرة تمر بها دول المنطقة، إنه الشارع العراقي الذي أهمله السياسيون عشية انتهاء الانتخابات النيابية الأخيرة في السابع من مارس 2010.
هؤلاء الكبار يعلمون جيداً أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر كما هو، فالحكومة دون المستوى المطلوب لمواجهة أزمات العراق الكبيرة والخطيرة، الداخلية منها والخارجية،.
وهي آيلة للسقوط، وأول من يعلم ذلك هو رئيسها نفسه الذي لم يخفِ منذ اليوم الأول لتشكيلها شكوكه حول قدراتها. وعلى الرغم من المحاولات الترقيعية التي يبادر بعض اللاعبين للقيام بها بين الحين والحين لمداواة أمراضها، فالتناقضات كبيرة داخل التحالف الوطني الذي يتزعمه المالكي.
ولكن ما الذي نتوقعه في ضوء هذه التعقيدات؟ وما هي المسارات المحتملة للعملية السياسية وكبار اللاعبين فيها؟ حرص رئيس الوزراء على ألا تفلت المبادرة من يديه، فقد أعلن عن تحديد مهلة مئة يوم، تنتهي في السابع من يونيو المقبل، لتقييم أداء الوزراء وإنجازاتهم، يقرر في ضوئها استمرارهم أو طلب إعفائهم من مناصبهم.
وهو إجراء استباقي يخدم أغراضاً كثيرة، فهو يبدي استعداده لتقديم أكثر من كبش فداء، لامتصاص الغضب العارم الذي تدفق في التظاهرات التي انطلقت في عدد من المدن العراقية من جهة، ويوسع في الوقت نفسه من ساحة المناورات التي برع فيها للبقاء على رأس السلطة التنفيذية، من جهة أخرى.
سنشهد بعد السابع من يونيو المقبل طوراً جديداً من الصراع بين النخب السياسية. وسيكون أحد أبرز ثوابته هو إصرار رئيس الوزراء على البقاء في منصبه. سيكون صراعاً وفق الدستور ومن خلال آلياته، ولن يخلو من كثير من الضربات تحت الحزام. ومن الصعب في الوقت الراهن الحديث بشكل واضح عن التوازنات التي تتحكم في هذه العملية، فقد بدأت تتغير، ولم تعد هناك كتلة واحدة يمكن الرهان على استمرار تماسكها.
الخيارات المطروحة أمام رئيس الوزراء، هي التوجه نحو المجلس لإقالة بعض الوزراء، وربما إقالة الحكومة برمتها، إذا ضمن قدرته على البقاء في مركزه ووجد ما يكفي من الأصوات النيابية لمساعدته على تشكيل حكومة أغلبية نيابية كما يرغب، وإذا لم يقرر المجلس إقالة الحكومة برئيسها.
وخلافاً لذلك ليس أمامه سوى البدء في إجراءات حل المجلس إذا كان جادا حقاً في تهديداته، فوفق الفقرة الأولى من المادة 64 من الدستور «يحل المجلس بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناء على طلب ثلث الأعضاء أو بطلب من رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية».
وبغض النظر عن من سيستفيد أو من يتضرر من ترحيل حكومة المالكي، فإن احتمال العودة إلى حالة اللا حكومة التي شهدناها لمدة تسعة شهور، ليس ببعيد. وذلك لأن حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات مبكرة، ليس بين خيارات معظم اللاعبين الكبار، وعلى رأسهم رئيس الوزراء نفسه، لأن حزبه سيكون الخاسر الأكبر فيها.