لم تؤدّ الاحتجاجات التي تتعدد في العالم العربي خلال الأشهر الأخيرة، إلى هزّ التوازنات السياسية للمنطقة فحسب، ولكنها غيّرت بعمق من آليات التحليل التقليدية.
فرغم الخلافات الحقيقية بين الدول، برزت قناعة مفادها أن الشعوب العربية، مثل جميع الشعوب في العالم، هي بصدد أن تصبح قوى سياسية حقيقية. وهذا يؤكّد فكرة برزنسكي القائلة: «الإنسانية كلّها غدت اليوم فاعلة سياسيا».
إن الكثير من المقارنات التاريخية جرى عرضها من أجل فهم عمق التحولات الجارية. مع ذلك لا ينبغي الذهاب بعيدا، بعد نجاح الثورة التونسية وهروب ابن علي أو بعد سقوط مبارك في مصر أو هزّ أنظمة القذافي أو علي عبد الله صالح أو بشار الأسد. وبعض المراقبين تسرّعوا كثيرا بالقول إن التغيير يسري في مجمل العالم العربي، على مبدأ انتقال المدّ من بلد إلى آخر.
ومن المحتمل قليلا رؤية أغلبية الأنظمة العربية تسقط واحدا بعد الآخر في وقت قصير، لكن هذا لا يمنع واقع أن المنطقة كلّها تحسّ بآثار الصدمة.
القول بانتقال المدّ جرى على خلفية التشبيه بنهاية الشيوعية في بلدان أوروبا الشرقية عام 1989.
فخلال بضعة أشهر فقط تهاوت الأنظمة الشيوعية واحدا بعد الآخر، وبقدر كبير من السهولة، في الوقت الذي كان يُظن أنّها متماسكة جدا. تلك الأنظمة كانت تشترك كلّها في أنّها لم تكن تمتلك أيّة شرعية داخلية، ولم تكن تتماسك سوى بفضل العامل الخارجي الذي مثّله الاتحاد السوفيتي.
ومنذ وصول غورباتشوف إلى السلطة، بدا واضحا أن كل بلد من بلدان حلف وارسو يستطيع أن يسلك الطريق الخاصّ به، وأن موسكو لن تعترض على الخيارات السياسية الوطنية. وهكذا سقطت جميع الأنظمة بسرعة لم يتوقعها أحد.
لكن، إذا كانت البلدان العربية تمتلك عدّة نقاط مشتركة، فإن خلافاتها كبيرة بما يكفي لعدم التشبيه بين واقعها، وبين ما جرى في أوروبا الشرقية عام 1989. بالتالي، فإن البلد الأول الذي ظهرت فيه آثار الثورة التونسية، لم يكن في منطقة المغرب العربي، ولكن مصر.
ففي الجزائر، ورغم الإحساس بعدم عدالة توزيع الثروة الوطنية، وعدم توفر فرص العمل وإيجاد السكن، لا تزال البلاد تتذكّر ويلات الحرب الأهلية التي لم تخرج منها سوى منذ فترة قصيرة، ولا تريد العودة إليها من جديد.
والجيش في الجزائر له دور خاص. مع ذلك أرغمت حركة الاحتجاج السلطة على رفع حالة الطوارئ، التي كانت مفروضة على البلاد منذ 20 سنة. في المغرب هناك مناخ من الحريّة الفكرية كانت تفتقده تونس.
ورغم التباين الاجتماعي الكبير، يبدو النظام أكثر انفتاحا مما كان في تونس، والملك يحظى بشعبية كبيرة تلتف حول شخصه، هذا فضلا عمّا يمثّله دينيا. وبالتالي هناك تطلّع قوي لحصول انفتاح سياسي ولعدالة اجتماعية، وليس لثورة. وهذا ما استجاب له الملك في خطابه يوم 9 مارس، لتتأكّد خطة الإصلاح لاحقا.
مصر هي التي ظهرت مشابهة أكثر لتونس. النظام مستهلَك، وحالة الانسداد السياسي كاملة، والفساد كبير في حاشية الرئيس، ووجود أعداد كبيرة من مستخدمي الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن هناك فروقا كبيرة أيضا، فالجيش، على خلاف تونس، يمارس السلطة ولا يريد التخلّي عنها، حتى لو تخلّى عن مبارك. والأهمية الاستراتيجية لمصر أكبر بكثير.
لذلك لم تعرف مصر مسارا ثوريا شبيها تماما بذلك الذي عرفته تونس. لكن من المؤكّد أن تغيّرات سياسية هامّة ستجري على ضفاف النيل، ولن تكون مجرّد تغييرات تجميلية.
في ليبيا اختار القذافي أن يقمع الانتفاضة الشعبية بحمام من الدم. وتمكن هنا المقارنة مع تونس ومصر، من حيث وجود نظام في السلطة منذ 1969، وإهدار للثروة الوطنية، ومحاولات توريث الحكم. إن ليبيا تعيش اليوم حالة حرب، ونظام القذافي محكوم عليه بالسقوط نتيجتها.
في اليمن هناك صدامات شعبية مع نظام قائم منذ 32 سنة. والبحرين التي عرفت حركة احتجاج، تتميّز بتركيبتها الطائفية عن باقي بلدان مجلس التعاون التي لم تعرف حتى الآن أيّة حركة احتجاج. وفي سوريا، ومهما كانت جديّة الاحتجاجات، علينا أن لا ننسى أن النظام يجسّد صيغة من المقاومة ضد الولايات المتحدة وحليفها الإسرائيلي.
سقطت أنظمة وستسقط أخرى، وسيتطور غيرها. ولا يمكن تصوّر بقاء الأوضاع كما كانت. إن آثار الصدمة إقليمية، والجميع معنيون، فالفساد والجمود السياسي وغياب العدالة الاجتماعية، أصبحت أمورا غير مقبولة.
إن الثورة التونسية والتغيرات التي شهدتها مصر، هي أيضا بمثابة الإعلان عن الموت الثاني للمحافظين الأميركيين الجدد، الذين كانوا قد نظّروا لضرورة نشر الديمقراطية في العالم العربي، من الخارج ولو بالحرب، وهذا ما رأينا آثاره في العراق.