قلنا قبل حين إن ما يجري في المنطقة العربية محكوم بقانون التحوُّل الطبيعي في المجتمعات البشرية، وهذا القانون يتصل بإحلال شكل من الدولة محل شكل آخر، وكأنه ترجمان للحياة الجديدة التي لن تأتي إلا بعد خُبُو وتلاشي وموت ما سبقها من حياة.

إذا أدركنا هذه الحقيقة، سيكون بوسعنا التعامل إيجاباً مع المُتغير المُداهم، باعتباره حالة ارتقاء، مهما بدا المخاض صعباً ومؤلماً، فالارتقاء أشبه ما يكون بالولادة، والمعروف أن بشارة الولادة يسبقها عسر شديد وآلام أشد، وهذا ما يحدث الآن عملياً في المنطقة العربية.

يواجه النظام العربي متغيراً كبيساً.. متغيراً ناجماً أساساً عن تلك المُقدمات التي رسّخها النظام العربي، وحوّلنا بواسطتها إلى طيور واهنة تغرد خارج السرب الإنساني، وخاصة في ما يتعلق بالشفافية والمشاركة وثقافة الحق والواجب المستمدة من القانون، وتعظيم أفضليات التنمية، حتى بدا العالم العربي مُتناسخاً متشابهاً، وأصبح فيه المواطن العربي باحثاً عن هويته، لاهثاً وراء إعادة إنتاج حياته الطبيعية التي غدت مستحيلة تباعاً.

هذه المقدمات هي السبب الجوهري في ما جرى ويجري في غير مكان من متاهات العرب المعاصرة، لكن العامل الخارجي ليس غائباً، وإن كان تابعاً للنتيجة، لا مُستبقاً لها كما يدّعي أنصار نظرية المؤامرة.

من المعروف أن العوامل الخارجية تحضر بسخاء براغماتي حالما يبدأ التشقق كمقدمة للانهيار، كما أن هذا الحضور الخارجي كان موجوداً في عهود الاستقرار القلق، التي جعلت الخارج «الديمقراطي» يتعامل مع العرب بمكيالين.

فالأبعاد القيمية الأخلاقية المسطورة في دساتير تلك الدول «الديمقراطية»، يتم التخلّي عنها إجرائياً، مقابل البراغماتية النفعية التي جعلت رمز «العالم الحر»، الولايات المتحدة، تقبل بالأصدقاء المستبدين، وتقرأ أحوال العرب بعدسات المصلحة، قبل القيم الديمقراطية التي كثيراً ما تتكرّر كلازمة مشروخة في المحافل الانتقائية والمناسبات الاستعراضية.

راهنَ النظام العربي على ثنائية القيم والمصلحة البراغماتية المعتمدة غربياً، واستمرأ قبول الآخر «الحر» باستبدادات الداخل، وقدم جزرة المنفعة مقابل السكوت على خرائب الداخل العربي، واعتقد جازماً أن الحقيقة تكمن في قوة المصلحة التي كانت وما زالت مُغالبة لقوة الحق والحقيقة.

وجاءت نظرية الحرب الكونية لمحاربة الإرهاب، ليجد النظام العربي ضالته في هلام «القاعدة» الذي سرعان ما تحوّل إلى فزّاعة يتم التلويح بها، مقابل ابتزاز سكوت صانعي هذه الحرب ومُشعليها ومُتابعي نتائجها الميكيافيلية، بكامل العناية والرعاية اللازمتين.

ولهذه الأسباب مجتمعة، جاءت الحالة التونسية البوعزيزية المترجمة لفلسفة الضرورة، فكانت الانتفاضات العربية الشبابية التي قدمت رسالة مزدوجة: الأُولى موجهة للأنظمة العربية التي استمرأت الإقامة في شروط تخطّاها الزمن، والثانية للنظام الدولي الذي تعامل مع الحالة العربية من منظور نفعي براغماتي، وغير أخلاقي.

هذه الحالة تتطلب من النظام العربي مواكبة واعية لقانون التحول، من خلال استباق الاستحقاقات، وتحقيق المطالب، والقبض على جمرة الحقيقة، بدلاً من التلكؤ والعناد. والشاهد أن الشارع العربي الذي يغلي في أربعة أرجاء الجغرافيا السياسية العربية لا يغلي من فراغ، وليست مطالب الشارع ضرباً من التعجيز غير القابل للتحقق،.

ولهذا فإن الفالح هو من يتعامل مع هذه الأزمة بطريقة أكثر ذكاء، ويديرها بأدوات تتناسب معها دافعاً استحقاقاتها، لا التمسك بالمربع المتجهم للبيروقراطية والمركزية والشمول، مما رأينا آثاره السلبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.

إذا حسبنا متوالية الاحتقانات القائمة في المنطقة العربية، سنجد أن هذه الاحتقانات تبدأ بالقضايا المطلبية، وتصل في ذروتها إلى النقطة المركزية التي أفضت إلى كل هذه البلايا.

وأقصد بها هنا طبيعة الحاكمية السائدة التي خطفت المؤسسة لصالح السلطة النووية المفارقة للنظام والقانون، ثم خطفت تلك السلطة من ذاتها، فأصبحت المُمثلة غير الشرعية لمعادلتي القوة والمال، ففاضت بغيابها عن الأرض، فتاهت في دروب الأوهام والتخبط، حتى أضحت غير قادرة على إدارة شؤونها.

وكانت النتيجة الطبيعة لهذه الحالة، هي غليان الشارع وخروجه السافر على الشرعية القائمة، بوصفها شرعية تسقط بقوة دفع الانتفاضة.

نحن هنا أمام سؤال مركزي ينبري في الحالات الجمهورية حصراً، والتي فارقت فقه القانون الجمهوري لتتحوّل إلى ملكيات فولكلورية تتدثر برداء النظام الجمهوري. ومن الأمثلة الدالة في مغزى الارتقاء بالجمهورية، ما حدث في اندونيسيا إثر انهيار نظام سوهارتو المستبد، حيث بدأ التداول السلمي للسلطة والرئاسة بانتخاب الرئيس عبدالواحد،.

لكنه بعد سقوطه في الانتخابات التالية، واتساقاً مع قوة العادة، تحصّن في القصر الجمهوري متناسياً أن العقد الاجتماعي الاندونيسي الجديد غادر الماضي إلى غير رجعة، وتكرر الحال بصورة أنْعم مع الرئيسة ميغاواتي سوكارنو، التي اكتفت بالبكاء إثر سقوطها في الانتخابات الرئاسية التالية.

وهكذا، وبعد بروفتي عبدالواحد وميغاواتي، ولجت اندونيسيا عهداً جديداً لجمهورية دستورية عصرية، تنحل فيها محنة الحاكمية الجمهورية المتلبسة بالمُلك والديمومة.

ليس أمام العرب من خيار سوى إدارة الأزمة القائمة بمنطق يعترف بالحقيقة، ويقرأ العالم بعيون باصرة، ويتخلّى طواعية عن سيئات الماضي القريب والبعيد، وينخرط في متوالية الحياة الإنسانية المزدهرة الكريمة، التي تضع الإنسان في قمة الأولويات.