ربما يكون الحديث عن التقاعد وسنه عند البعض حديثاً عن ما لا يرغب في تذكره، وعن علامة من علامات توقف العطاء والإنتاج للنفس وللآخرين وللوطن، وهو حديث إيجابي في مجمله ما دام يتمحور حول نظرة إيجابية إلى مفهوم الوجود موظفاً أو عاملاً أو إنساناً، في أي مكان فرضه عليه وضعه المهني أو الوظيفي، إلا أن الحديث ذاته يأخذ عند البعض الآخر نظرة من زاوية أخرى في حسابات المردود المادي، بغض النظر عن حاجة الوطن أو حساباته أو الفائدة التي يرجوها من أبنائه. وتفصيلاً لهذه المسألة، يدور جدل قديم متجدد في أوساط الموظفين، يتجاذبه طرفان أحدهما يميل نحو تخفيض سن التقاعد للموظفين حتى يبلغ الخامسة والأربعين، وآخر يبالغ فيه حتى ولو وصل إلى السبعين.
وقبل الفصل في أي الاحتمالين أرجح، لا بد من النظر إليها من زاوية أخرى، وليس من زاوية الموظفين هذه المرة، مع احترامنا لوجهة نظرهم لأنهم هم أصحاب الشأن والقرار في ما يرونه مناسباً لهم، وإنما من زاوية أهم في نظرنا، وهي زاوية الوطن، وإن كان الوطن في اعتقادنا منطلق جميع محاور التفكير البناء لدى الجميع من أبناء الإمارات، ولا ينتابنا شك في ذلك أبداً.
بداية، لا ينكر أحد أن قانون التقاعد في الإمارات من أفضل قوانين التقاعد على مستوى العالم، لما يقدمه للموظفين من امتيازات وبدلات ومردود مادي جيد، يضمن للمتقاعدين وضعاً كريماً بقية حياتهم بعد ما قدموه في سنوات عملهم، حيث يحصل المتقاعد كما ينص القانون على نحو 70 ٪ من قيمة الراتب بعد قضائه مدة 20 سنة في الخدمة، بعد التعديلات التي أُجريت على القانون عام 2007 ورفعت سنوات الخدمة من 15 عاماً إلى 20، وتزيد تلك النسبة بواقع 2 ٪ على كل سنة بعد الـ20 عاماً، لتصل إلى 80 ٪ من إجمالي الراتب إذا أكمل 25 سنة في الخدمة، وتصل إلى 90 ٪ إذا أمضى مدة 30 سنة في الخدمة، ويحصل على المعاش كاملاً بنسبة 100 ٪ من الراتب إذا بلغت مدة خدمته 35 سنة. هذه المبالغ والمزايا السخية التي تضعها الدولة في خدمة المتقاعدين، تكلفها بلا أدنى شك ثقلاً اقتصادياً كبيراً تفرضه الالتزامات تجاههم.
هذا الأمر ربما هو الذي أغرى البعض بطلب تخفيض سن التقاعد، حسبما كشف استطلاع الرأي الذي أجرته الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية عبر موقعها الإلكتروني، فتبين أن 58 ٪ من المواطنين يفضلون التقاعد في سنّ الـ45، بينما رأى 8 ٪ من المشاركين أن العمر الأنسب للتقاعد هو 60 عاماً، فيما رأى 16 ٪ أن السن المثلى هي 55 عاماً، والنسبة نفسها تقريباً طلبت أن تكون السن المثلى للتقاعد هي 50 عاماً، علماً بأن سن التقاعد الحالية بحسب قانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية، هي 60 عاماً للرجل و55 عاماً للمرأة، وكما تشير الإحصاءات فإن عدد المحالين إلى التقاعد بلغ أعلاه في عام 2005، ووصل أدناه عام 2009 ليعود مجدداً إلى الارتفاع في 2010.
وما يثير في النفس حفيظة التساؤل، أن الحال في الغرب المتقدم على خلاف ما نأمله نحن في البلاد الفتية الناشئة مثل بلدنا الإمارات، حيث نحتاج إلى كل خبرة من أبناء الوطن لتكون إضافة في عجلة التنمية والنهضة، ورافداً للتطوير المؤسساتي في شتى المجالات. وما لمسناه في الغرب أن الشركات تطالب المتقاعدين بقبول انضمامهم إليها، ليكونوا خبراء واستشاريين يستفيد منهم الشباب الملتحقون بالوظائف من بعدهم، لتكتمل سلسلة التنمية والنجاح لهذه الشركات، بينما نجد في وطننا من يسعى حثيثاً نحو التقاعد وهو في أوج عطائه وخبرته في سن الشباب، وهو من المتناقضات التي ليس لها تفسير إلا ضعف النظر في عمق حاجات الوطن وتقديم ضرورياته على الضروريات الشخصية، مع العلم الجازم بأن العمل في الوظيفة لا يحول دون أن يكون للموظف مصدر عمل آخر، سواء كان تجارة أو أي عمل آخر.
وما يثير في النفس أيضاً سيل الاستفهامات، أننا نعلم وجود البعض ممن دفعوا للهيئة العامة للمعاشات فرق السنوات حتى يحصلوا على التقاعد، وهو ما يثير الكثير من الاستغراب حقيقة!
وكيف ينسجم هذا الطلب بخفض سن الإحالة إلى التقاعد، مع الرغبات الجامحة التي نحترمها عند فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الباحثين عن وظيفة تلبي حاجاتهم وتخدم وطنهم؟
يبقى أن أثير سؤالاً، إجابته ربما تكون عند الباحثين عن وضع حد لعملهم الوظيفي عند الخامسة والأربعين من أوج عطائهم الوظيفي، وهو؛ لو لم يكن راتب التقاعد بهذا السخاء من الدولة، فهل كنا سنجد من يتشجع لطلب ذلك؟! سؤال إجابته تظل رهن حسابات الموظفين أبناء الوطن.