قبل نحو شهر أو أكثر قليلاً، كنت أنا وأخي الأكبر والدكتور خلدون النقيب نتمشى في مجمع «فستفال سيتي» بمدينة دبي، وحينما جاء وقت الغداء قررنا أن نختار مطعماً من مطاعم المجمع بدلاً من مطاعم «الإنتركونتننتال» الذي كان الدكتور خلدون ينزل به. فوقعت عيوننا على مطعم صيني مطل على «الخور»، فقررنا أن يكون غداؤنا صينياً خاصة وأن «أبا زيد» يلم بكل المأكولات من أركان الدنيا الأربع.
تركت أبا زيد يتولى أمرنا لتضلعه في هذا الشأن كباقي شؤون الحياة الاجتماعية، من أسماء أشهر «الماركات» إلى أسطع نجوم الرياضة والسينما، إلى تفاصيل الأدوية التي كان يستهلك منها كمية كبيرة صباح ومساء كل يوم!! وأصر - كعادته - أن يكون المضيف، فاتفقنا على أنني سأدفع فاتورة العشاء. لم ألق نظرة على قائمة الطعام إلا بعد أن طلب أنواعاً متعددة وعلى دفعات متتالية كان يطلب فيها القائمة كل مرة. ومن باب الفضول وأيضاً من باب أن عشائي يجب أن يكون «مكافئاً» لغدائه أخذت القائمة وصعقت حينما رأيت أن أسعار الوجبات في هذا المطعم خيالية، ليس بخلاً ولكن تعجباً وانبهاراً!! قلت له: «شايف الأسعار يا بو زيد»؟! قال: نعم، ثم أضاف: «شنو ما خذين منها»!! (أي: ماذا سنأخذ من هذه الدنيا إذا رحلنا عنها)!!
لم يدر بخلدي ولو للحظة أن يتجسد كلام الدكتور خلدون النقيب إلى واقع بعد شهر، ولم أتخيل أن يكون هذا اللقاء هو الأخير بيننا، إلا حينما اتصل بي أحد الزملاء يستفسر عن خبر نشر على «التويتر» يشير إلى وفاة أستاذ علم الاجتماع الدكتور خلدون النقيب «قبل قليل». هول الصدمة كان كبيراً علي، ووقعها كان كالصاعقة، فنحن الاثنان، ومنذ أربع سنوات ترافقنا في أسفار كثيرة، ربما بمعدل مرة في كل شهر، وخاصة زيارات «الويك إند» لمدينة دبي، التي كان يحبها حباً جماً وعلمني حبها.
في هذه المناسبة الأليمة أسترجع شريط الذكريات لإنسان زاملته في قسم الاجتماع بجامعة الكويت زمناً طويلاً، ورافقته في أسفار علمية وأخرى سياحية، والمقام في هذه اللحظات لا يسمح إلا لرؤية الدكتور خلدون «الإنسان»، أما الدكتور خلدون المفكر، فهو غني عن البيان، فقد طبقت شهرته الآفاق، تتحدث عنه كتبه الكثيرة وأعماله العلمية المميزة، والتي ستكون لنا معها وقفات في المستقبل.
كان رحمه الله «جنتلماناً» بكل ما تعني هذه الكلمة من معنىً، فلم أره قط يخرج من مطعم أو فندق أو ينزل من سيارة أجرة إلا وأجزل العطاء للندلاء والعاملين والسائقين، وكان لا يتبع في ذلك قاعدة «النسبة والتناسب» بل يعكسها، فكلما كانت الفاتورة قليلة، كلما زادت «إكراميته». وقد نبهني زميلنا الدكتور فهد الناصر لهذه الخصلة الحميدة فيه.
فأثناء سفرنا قبل سنوات (نحن الثلاثة) في مهمة علمية إلى بيو نس أيرس عاصمة الأرجنتين، قال لي الناصر: «خلي بالك من الدكتور خلدون، ترى يدفع دائماً». فاتفقنا على أن الدفع يكون بالتناوب، وحينما ذهبنا إلى «فوكوليه»، وهو أشهر مقهى ومطعم في الشانزلزيه في باريس، أصر كثيراً على الدفع، إلا أن محاولاته ذهبت أدراج الرياح.
غير أنه سرعان ما هتك تلك القاعدة حينما وصلنا إلى عاصمة الأرجنتين، حيث أخذنا فيها جولة سياحية (سيتي تور)، إذ لم يكمل تلك الرحلة ونزل من منتصفها، ثم بعد أيام أصر على عزيمتنا لجولة على حسابه الخاص. وفي اليوم الموعود، حضرت سيارة مرسيدس من آخر طراز يقودها سائق يتكلم الإنجليزية بطلاقة، فأخذنا في جولة إلى منطقة دلتا نهر بارانا، حيث قضينا نهاراً جميلاً على جزيرة تدعى برانا دي لا بالما.
كان رحمه الله «أرستقراطياً» من حيث الشكل والمظهر، فكان يختار ثيابه من أفخر الماركات، ويتابع أحدث موديلات التلفونات النقالة، ويسكن في أغلى الفنادق، ويذهب إلى أشهر المطاعم، كان يستمتع بالحياة بحق وحقيقة. أما من حيث الباطن ـ وهو الأهم ـ فكان إنساناً بسيطاً متواضعاً، يؤمن بالمساواة وينبذ الطبقية والطائفية.
فقد زوج بناته الثلاث من طبقات المجتمع الكويتي الثلاث: إحداهن لأحد أبناء الأسرة الحاكمة، والأخرى لابن أحد أثرى أثرياء الكويت، والثالثة لشاب ينتمي إلى عموم الشعب الكويتي. قلت له مازحاً: «هذه ثورة اجتماعية يا أبو زيد»! قال: «تركتهن واختياراتهن الخاصة ولم أتدخل في ذلك قط. وأنسبائي كلهم عندي سواء». وتزوج بعدة نساء، واحدة منهن (أم زيد) ليست شيعية فحسب، بل من أسرة عريقة في النجف الأشرف.
ختاماً، لا أقول في حكمة الحياة إلا كما قال المتنبي (الشاعر الذي كان يعشقه زميلنا الدكتور خلدون):
يموت راعي الضأن في رعيه * ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمـره * وزاد في الأمـن في سربـه