ما يشهده العالم العربي من تحولات تطال الأنظمة السياسية، يثير إشكالية السلطة، بقدر ما يحملنا على إعادة النظر في العناوين التي طرحتها الثورات الراهنة، لاسيما ما يتعلق منها بقضية الحرية ومعضلاتها. وأبدأ بمعضلة السلطة التي هي مثار صراع بين الناس منذ تشكل اجتماع بشري.

وفي هذا الخصوص يقول الشهرستاني، مؤرخ الملل والنحل، «ما سُلّ سيف في الإسلام على مسألة كمسألة الخلافة». وأنا عندما أتأمل في تاريخ الدول في العالم العربي، أجد غياباً تاماً لتداول السلطة، إذ الرئيس إما أن يكون في سدة الحكم، أو يكون في السجن أو المنفى أو القبر ومازالت هذه القاعدة تتحكم في السلوك السياسي منذ القدم حتى اليوم. من هنا، فإن إزاحة سلطة وإقامة أخرى مكانها، هو من أصعب الأمور. ولا غرابة، لأن السلطة هي قبض على الأمر ذاته، في ما يخص إدارة الشأن البشري، أي من يملك القرار.

ومن عليه الطاعة والامتثال؟ قد يسهل هدم نظام بأقصى سرعة وبأقل التكاليف، كما حصل في تونس وفي مصر. ولكن بناء نظام جديد هو الأصعب، لأنه يحتاج إلى تغيير منظومة من القيم والنماذج والأعراف والتقاليد التي تنبني بها السلطات وتترسخ، بصورة غير واعية.

لا يعني ذلك أن المجتمعات العربية، التي تصنع ثوراتها، سوف تستغرق عقوداً أو قرناً لإقامة أنظمة ديمقراطية، وإنما القصد أن قضايا الحرية والعدالة ليست أموراً بديهية أو حقوقاً فطرية تنتهك أو تغتصب، ثم تأتي الثورات لاستعادتها وتثبيتها هذه نظرة ساذجة، طوباوية، إلى القضايا، يتعامل أصحابها مع مسألة الحرية بوصفها نقيضاً للسلطة. وهذا هو مقتلها، كما علمتنا التجارب. فالذين مارسوا الحرية بمخيلة فردوسية، استبدوا بها أو وقعوا ضحيتها.

والتحرر من هذه النظرة يقتضي أولاً؛ الاعتراف بالواقع البشري، لا نفيه، إذ لا مجتمع من غير سلطة. والسلطة لم تعد تفهم بوصفها تقتصر على مؤسسات الدولة وقوانينها وأجهزتها وشرطتها. لقد تم تجاوز هذا المفهوم الفوقي البيروقراطي، إذ السلطة منبثة في القضاء الاجتماعي بكل دوائره وهيئاته ومؤسساته وحقوله، بقدر ما تشكل لعبة قوى مفتوحة على الصراعات والتوترات والانقلابات.

بهذا المعنى، حيثما وجد المرء أو توجّه، يواجه سلطة تراقب وتعاقب، أو تأمر وتنهى، أو تحجب وتمنع، أو تهمّش وتستبعد، أو تميز وتفاضل، سواء اختص الأمر بسلطة سياسية أو دينية أو مجتمعية أو أكاديمية..

 . وهكذا لا اجتماع يخلو من سلطة، وفي كل سلطة يمارس قدر من الاستبعاد والاعتباط أو الاحتكار والمصادرة، بهذه الدرجة أو تلك.

 من هنا فإن القول بأن الأنظمة العربية تستغل سلطة الدين لتحويله إلى دين للسلطة، إنما يندرج في المفهوم التقليدي التبسيطي للدين والدولة معاً. ذلك أن الدين هو في الأصل سلطة لا تقل عنفاً عن سلطة الدولة.وهناك من يذهب إلى أن الدولة قد تشكلت في أساسها على المثال الديني، كما يرى مارسيل غوشيه الذي يعتبر أن الأنظمة الشمولية هي ديانات علمانية، بمعنى أنها أخذت من الدين عباءته المقدسة وشيفراته الرمزية،.وأخذت من الحداثة أدواتها ووسائلها وتشريعاتها ونظمها.. ولا حاجة إلى التذكير بالحلف المقدس الذي نشأ بين الدولة والدين، في غير حقبة وفي غير حضارة، سواء في الإسلام أو في الغرب.

ولا أنسى السلطة الثقافية التي لا تقل عن السلطتين السياسية والدينية، من حيث ممارسات وآليات الاحتكار والحجب والتمييز والإقصاء. فأنت عندما تقرأ أحياناً لشاعر أو مفكر أو فنان، تجد أن أمراض النرجسية قد ضربته إلى حد يحمله على الاعتقاد بأنه فريد عصره، أو تزين له أن الإصلاح في بلده متوقف عليه وحده دون سواه.وهكذا، فإن الكثيرين من المثقفين الذين ينتقدون الأنظمة وسلطاتها وحكامها، هم غارقون في آفاتها ومساوئها.

 وتلك هي إشكالية السلطة كما تشهد التجارب. فالذين ينقلبون على حاكم قد يقعون، عند استلامهم السلطة، في ما يأخذونه عليه، بقدر ما يستعيدون طبائعه الاستبدادية أو منازعه الفاشية أو ممارساته المعتمة أو تحكماته الغاشمة.. وإلا كيف نفسر أن يتحول المضطهد إلى قاهر، والضحية إلى جلاد، وداعية الحرية إلى طاغية؟ وهذه هي الحال في سائر القضايا؛ لكل قضية إشكاليتها والتباساتها.

 في ضوء هذه الإيضاحات، تتبدى التحديات الهائلة أمام الثورات العربية الشعبية. للمرء أن يفرح ويبتهج بالتحولات الهائلة، ولكن الثورة ليست مجرد أعراس أو أفراح.وإنما هي مسؤولية جسيمة، لأن الحرية التي تطلقها الثورات، تعني من وجهها الآخر تشكيل سلطة جديدة، إذ لا انفكاك للحرية عن السلطة، بمعنى أن الحرّية من دون سلطة هي خاوية، كما أن السلطة من دون حرّية هي غاشمة. من هنا فإن عملية التغيير، هي صيرورة معقدة وعملية دائمة من البناء وإعادة البناء..

 ومن هنا فإن قراءة الواقع تقتضي، من جهة ثانية، أقصى الحذر والحيطة والتعقل والتبصر، حتى لا تقع الثورات الجديدة، في ما وقعت فيه الثورات السابقة التي أنتجت عبودية بأشكال جديدة.والعبودية لا تقتصر على تأليه الأتباع والحشود للزعماء، وإنما هي في أساسها عبودية الشخص تجاه أهوائه ونزواته، أي ما يحول الحاكم إلى عبد لشهوته الجامحة إلى السلطة والبقاء في الحكم، ولو أدى ذلك إلى خراب البلاد وهلاك العباد،.

 

كما يفعل عشاق السلطة ومجانينها وجلادوها. مثل هذا المنزلق تتطلب مواجهته تغيير أطر التفكير والنظر، وفقاً لقواعد جديدة ومغايرة، أولها العمل بمنطق البناء لا بعقلية الإقصاء، بحيث لا تطيح الثورة المكتسبات والمنجزات، بل تحتفظ بها وتبني عليها.

 

وإذا كان من مهامها محاربة المساوئ والمظالم والمفاسد، فلا يعني ذلك استبعاد المختلف أو استعداء الآخر، فليس كل من لم يقف مع الثورة هو بالضرورة ضدها.

 

الأجدى هو الاهتمام باستثمار الإمكانات وحشد الطاقات، للانخراط في العمل المشترك وقيادة المصير المشترك. الثانية؛ كسر منطق الاحتكار، للعمل بمنطق الشراكة والمداولة، فلا أحد يحتكر الثورة، كما لا أحد يقبض على الحقيقة.

 

إن مقتل المشاريع هو احتكار الشعارات والقضايا والقيم، أو احتكار الأسماء والنصوص والكتب التي هي ملك البشرية جمعاء.

 

الثالثة؛ هي الموقف النقدي تجاه الذات. وهذا هو الدرس المستفاد من الثورات التي أخفقت: الاشتغال بأعمال المراقبة والمحاسبة والمراجعة، ولو أدى ذلك إلى قسوة المرء على نفسه. فالآفة الكبرى في كل عمل مشترك أو شأن عمومي، هي عشق الذات وعبادة الأشخاص.