إذا كانت دولة الإمارات تمتلك بنية تحتية قوية في مختلف القطاعات، جعلتها في مقدمة دول المنطقة، سواء في ما يتعلق بمستوى هذه البنية الذي بات يرقى إلى المعايير العالمية، أو في ما يتعلق بحجم الاستثمارات في تطويرها بشكل متواصل.
فإن قطاع الكهرباء والمياه يشكل أولوية متقدمة، ليس لأنه يرتبط بشكل مباشر باحتياجات أفراد المجتمع من هاتين السلعتين الضرورتين للعيش والرفاهية، وإنما أيضاً لأنه يقود حركة التنمية والتطور في باقي القطاعات الأخرى، ومن دونه لا يمكن تحقيق أي تطور أو رفاهية حضارية للمجتمع.من هذا المنطلق، فإن دولة الإمارات تولي أهمية كبيرة لهذا القطاع الحيوي، لكي يؤدي الدور المنوط به بالشكل الأمثل، في خدمة المجتمع والاقتصاد معاً.
ولعل الدليل الأبرز على الأهمية المتزايدة لهذا القطاع، يتمثل في حجم الاستثمارات المخصصة له على مدار السنوات المقبلة.حيث تشير الإحصائيات الرسمية لوزارة الطاقة، إلى أن قيمة الاستثمارات في قطاع الكهرباء بحلول عام 2020، تبلغ نحو 55,2 مليار درهم (15 مليار دولار)، منها 29,4 مليار درهم خلال السنوات الخمس المقبلة.
أما في قطاع المياه فإن دولة الإمارات تحتل فيه المرتبة الثانية عالمياً، من حيث إنتاج المياه المُحلاة، حيث يبلغ عدد محطات التحلية في الدولة أكثر من 30 محطة، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 1,3 مليار متر مكعب سنوياً، ما يشكل ما نسبته 13٪ من القدرات الإنتاجية للتحلية في العالم، ويسهم في توفير 98٪ من المتطلبات المائية المنزلية والصناعية.
ما يدعو للتفاؤل في هذا الشأن، أن القيادة في دولة الإمارات تواصل جهودها الحثيثة لتطوير قطاع المياه والكهرباء، وتخصص جانباً كبيراً من ميزانية الدولة لتنفيذ مشروعات استراتيجية في هذا القطاع، كي تلبي الاحتياجات المتزايدة للسكان في مختلف مناطق الدولة.
ولعل قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في شهر مارس الماضي، بزيادة الاستثمارات في قطاع الماء والكهرباء في الإمارات الشمالية، لتصل إلى 7,5 مليارات درهم، يؤكد هذا التوجه الاستراتيجي الذي تتبناه الدولة لتطوير هذا القطاع الحيوي.
والذي يوازن بين الاحتياجات الحالية للقطاعات المختلفة من الكهرباء والمياه، وبين التطورات المحتملة للنمو في المستقبل، في ضوء الطفرة الحضارية والعمرانية والتنموية والسكانية التي تشهدها دولة الإمارات، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حجم الطلب المتنامي على الكهرباء والمياه في السنوات المقبلة.
ففي قطاع الكهرباء يصل حجم الطلب المحلي السنوي 9٪، وهي النسبة التي تعادل ثلاثة أضعاف نمو الطلب العالمي، ويُتوقع أن يزيد الطلب عام 2020 إلى نحو 40 ألف ميجاواط يومياً، في حين يبلغ الاستخدام الحالي 18 ألف ميجاواط.أما في ما يتعلق بحجم الطلب على المياه، فمن المتوقع أن يصل إلى نحو سبعة مليارات لتر بحلول عام 2020، حيث تسجل الدولة أعلى معدل لاستهلاك الفرد من المياه في العالم.
إن الاهتمام المتزايد بتطوير قطاع الكهرباء والمياه، والارتقاء بالخدمات التي يقدمها هذا القطاع، يستندان إلى جملة من الاعتبارات المهمة، أولها أن هذا القطاع يرتبط بأهم الخدمات التي تحرص الدولة على تقديمها للمواطنين، بالنوعية الجيدة وبالكمية الملائمة وبالأسعار المناسبة، في إطار الرعاية الاجتماعية.
حيث تحرص على توفير المياه والكهرباء للمواطنين في مختلف إمارات الدولة، بصورة لا تثقل كاهلهم أو تحمِّلهم أي أعباء إضافية، ولهذا تتحمَّل الفرق بين سعر التكلفة وسعر البيع للمياه والكهرباء.في إطار حرصها على توفير وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للأسرة الإماراتية، وهذا ينسجم مع توجهات القيادة الرشيدة لدولة الإمارات التي تضع المواطنين دائماً على رأس أولوياتها.
ثانيها، أن قطاع الكهرباء والمياه يشكل أهم مقومات البنية التحتية، ويدعم بدوره القطاعات الاقتصادية الأخرى، فوجود بنية تحتية متطورة في قطاع الكهرباء والمياه، بات أحد مؤشرات البنية التحتية القوية للدول،.
وأصبح الاستثمار في استكمال وتطوير هذا القطاع مطلباً حيوياً للاقتصادات الطموحة التي تسعى إلى التفوق والريادة، لدرجة أن الدراسات الحديثة باتت تربط بين معدلات التطور في هذا القطاع من ناحية، ومعدلات الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي من ناحية ثانية. الاعتبار الثالث، أن الاهتمام بهذا القطاع يتواكب مع سعي الدولة نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
والتي ترتكز في الأساس على التوسع الأفقي والنوعي، على أساس أن قطاع الكهرباء والمياه يقدم خدمات اجتماعية لأفراد المجتمع من ناحية، وتنموية للقطاعات الاقتصادية الأخرى، بحيث تكون هذه القطاعات قادرة على تنفيذ مشروعاتها المختلفة، التي تصب في نهاية المطاف في خدمة ورفاهية المواطنين.
في هذا السياق، فإن قرار صاحب السمو رئيس الدولة بزيادة الاستثمارات في الإمارات الشمالية في قطاع المياه والكهرباء، يعكس حرص قيادتنا الرشيدة على أن تُسهم مختلف إمارات الدولة بشكل متوازن في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والقوي،.
خاصة أن هذا القرار من شأنه تطوير قطاع الكهرباء والمياه في الإمارات الشمالية، بالشكل الذي يؤدي إلى انطلاق العديد من المشروعات التنموية الداعمة للاقتصاد الوطني، من خلال خلق المزيد من فرص العمل وتعزيز المناخ الاقتصادي لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. ما يؤكد قيمة ما تشهده الدولة من تطور هائل في قطاع الكهرباء والمياه، أن هناك رؤية واضحة للمستقبل تتحرك على مسارات متوازية، للارتقاء بهذا القطاع، من خلال التوجه إلى بدائل جديدة.
كالطاقة النووية والمتجددة، وتبني خيارات غير تقليدية لزيادة إنتاج المياه، حتى يكون هذا القطاع قادراً على مواكبة ما تشهده الدولة من تطور عمراني وسكاني واقتصادي، وداعماً في الوقت ذاته لطموحها نحو تحقيق المزيد من التقدم والتطور في المستقبل.