هكذا قال العرب منذ قديم الزمان. (النصيحة بجمل). ورغم العدد الهائل من المستشارين والمحللين والدارسين الذين يحيطون برؤساء العالم لمنحهم الاتجاه الصحيح في اتخاذ القرارات الهامة، ورغم العمل الدؤوب للمخابرات السرية التي تعمل دون كلل أو ملل، ليل نهار، في كل أرجاء العالم، غير أنه في نهاية المطاف، أهل مكة أدرى بشعابها.

 وعندما يقدم أحدهم النصيحة لأي كان، سواء كان شخصاً عادياً أو حتى دولة غير عادية، فهو من باب الحب وليس الكره. لأنك عندما تكره شخصاً لا تنصحه ولا تدله على الطريق الصحيح.

 غير أن المشكلة ليست في النصح ولكن فيمن توجه إليهم النصيحة. فالكثيرون تأخذهم العزة بالنفس ويرفضون النصيحة ممن يعتقدون أنهم غير مؤهلين لذلك أو أنهم أقل منزلة من أن يعينوا أنفسهم حكماء في إبداء الرأي والمشورة.

 ولما يؤسف له أن عقدة العزة بالنفس هذه منتشرة بين بعض زعماء العالم الكبار وحتى الصغار ممن لا يملكون الخبرة الطويلة في تسيير الأمور. ويظنون أنه مانعتهم حصونهم من الفشل. حتى تقع الكارثة.

 على سبيل المثال، عندما اتخذت الولايات المتحدة الأميركية قرارها بخوض الحرب ضد الإرهاب وتحديدا في أفغانستان، حذرها العديد من المحللين وكذلك كتاب المقالات الصحافية من مغبة الأمر.

 وضمنوا تحذيرهم مبررات عدة منها أن مواجهة جماعات مقاومة مسلحة محلية في ثنايا الجبال الوعرة ليس أمراً سهلاً في بلد كأفغانستان. ولم يعر أمراء الحرب في البيت الأبيض ولا في البنتاغون أذنا صاغية لتلك التحذيرات والنصائح المجانية.

 ودخلوا الحرب دون هوادة ودكوا أفغانستان بآلاف القنابل الفتاكة واستخدموا أحدث وسائل الترصد والتحري في البحث عن عصابات بن لادن وطالبان بمناظير تعمل في الظلام الدامس.

 واستمرت عملية الكر والفر بين الطرفين منذ ما يقرب من العشر سنوات. وفي النهاية، عجزت القوات الأميركية بأساطيلها وطائراتها الحربية وجنودها مع حلفائها في تحقيق أي نصر يذكر على تلك الجماعات البسيطة في كل شيء: السلاح والرجال.

 والسبب في ذلك أنهم يحاربون على أرضهم. ثم، وهذا هو السبب الرئيس، لأنهم يحاربون عن أرضهم. واعترفت الولايات المتحدة في نهاية المطاف بالفشل الذريع في تحقيق انتصار. ولكنها ككل دول العالم المتغطرس، حاولت التستر على هذا الفشل، أرضاء لغرورها.

 وهي الآن تجمع عدتها وعتادها للعودة من حيث أتت ولكن بخفي حنين، مخلفة وراءها ما يقرب من ‬2400 قتيل وما يقرب من ‬16000 جريح عدا القتلى والجرحى من بين المدنيين الأفغان أطفالا ونساء وشيوخا، والخسائر المادية التي لا حصر لها.

 ولو أنها استمعت للنصح لما وقعت في هذا المأزق المحرج لدولة في عظمة الولايات المتحدة، بل أن طالبان استطاعت أن تكسب أراض جديدة وتفرض كلمتها على العديد من مساحات أفغانستان، حتى انتشر قول (طالبان هزمت الأميركان)،.

 وبدأت تتبنى تكتيكا أبهر أعداءها قبل المتعاطفين معها. فالكل سمع وقرأ وشاهد كيف استطاعوا أن يحفروا بمهارة فائقة نفقا في الأرض يمتد لأكثر من ‬360 مترا ويحرروا أكثر من ‬540 من رجالها المسجونين في سجن قندهار المركزي بينهم المئات من قادتها من الصفوف الأولى!

 ولا أحد يعرف كيف لم تتمكن أجهزة المخابرات الأميركية والكاميرات المعقدة التي تحيط بالسجن المركزي من ملاحظة أي تحرك خارج أو داخل السجن؟

 والأغرب من ذلك أن نهاية النفق وصل إلى غرفة من غرف المساجين بدقة شديدة، دون استخدام لأجهزة الرادارات المعقدة، ولا لأنظمة الملاحة المتطورة، ولا حتى لطائرات الأواكس. وهذا يدل على أن محاربة الشعوب ومحاولة إذلالها بالقوة مسألة يجب أن يعاد فيها النظر من قبل الدول العظمى.

 إن مثل هذه المواجهات أثبتت فشلها على مدى التاريخ. ولهذا السبب ربما حاول الكثيرون هذه الأيام إسداء النصح إلى فرنسا بعدم التدخل في مغامرات خطرة في شؤون دول ومناطق تبعد عنها قليلا أو كثيرا،.

 وأن تتعلم الدرس من تجارب الولايات المتحدة التي تمتلك ترسانة مخيفة من الأسلحة المتطورة والجيوش المكدسة والتي توازي أضعاف أضعاف ما تملكه فرنسا وتملك علاوة على ذلك نفسا طويلا في الحروب.

 ورغم ذلك كله لم تحقق انتصارا يذكر لا في أفغانستان ولا في لبنان ولا في العراق، وعادت تجر ذيول خيبتها. غير أن فرنسا تريد أن تحاكي تجارب الولايات المتحدة بأي ثمن لتجعل منها دولة ذات نفوذ عالمي.

 وهذا من حقها إذا كانت تهدف إلى أن تحل محل هذه الأخيرة في مناطق الشرق الأوسط المشتعلة. غير أن العواقب غير محمودة. وربما بدأ الصد والرد في المغرب. فالتفجير الذي وقع في إحدى المقاهي أودى بحياة ‬6 فرنسيين. هل هم المستهدفون في هذا العمل الانتحاري؟ لا أحد يعرف.

 غير أن تدخل فرنسا في الحرب على القذافي سوف يضعها وجها لوجه مع الإرهاب الذي تخشاه. وقد حافظ رؤساء فرنسا السابقون على شعرة معاوية في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط المليئة بالألغام والحفر والمطبات غير المتوقعة.

 وجنبوا فرنسا والشعب الفرنسي نقمة الشعوب المغلوبة. بل أن معظم رؤسائها السابقين تقربوا من الشعوب العربية لكسب ودها قبل كسب ود الأنظمة التي تحكمها. لذا عززت فرنسا مكانتها في العالمين العربي والإسلامي.

 وما نخشاه اليوم أن ينقلب هذا الود إلى نفور بعد تدخلات السياسة الفرنسية بوضوح في الشأن العربي باستخدام القوة، خاصة عندما يقرأ رجل الشارع والمثقف العربي ما بين السطور أن فرنسا لا تقف إلى جانب الثوار في ليبيا إلا لضمان مصالحها النفطية فقط لا غير.

 لقد كانت فرنسا للعرب والمسلمين أشبه ما يكون بباب السلام المفتوح على مصراعيه أمام سياسة الولايات المتحدة التي لم تفتح سوى باب الحرب والظلم الذي وقع على رأس الشعب الفلسطيني من خلال دعمها للكيان الصهيوني.

 ومن هذا المنطلق ظل الكثيرون من محبي فرنسا من العرب والمسلمين ينصحونها في الأيام الأخيرة من عدم الانجرار بالطرق المسلحة إلى هاوية الصراع العربي - العربي هذه المرة. غير أن النصيحة فيما يبدو لم تعد تساوي جملا كما كان في السابق، إلى أن يقع الفأس في الرأس.... بعدها يكون الوقت قد فات...