من المؤكد أن الأنظمة الاستبدادية والقمعية الحاكمة طويلة العمر، موجودة في العديد من دول العالم، وليست قاصرة فقط على المنطقة العربية. وقد سبق أن ظهر العديد من المظاهرات والتذمرات الشعبية العارمة في عدة دول، في آسيا الوسطى وفي بلاد القوقاز من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وفي أميركا اللاتينية، وحتى في أوروبا، وبعضها حقق نتائج كبيرة واستطاع تغيير نظام الحكم، لكن جميعها لم يلق الاهتمام الدولي والإقليمي والإعلامي العالمي، مثل ما يحدث في المنطقة العربية، ولم يحدث تدخلات وتهديدات أجنبية مثلما حدث في البلدان العربية.
وهذا في حد ذاته يعكس اهتماما عالميا بهذه المنطقة الحيوية من العالم، باعتبارها كانت وما زالت منطقة صراعات وتوازنات القوى العالمية، لموقعها الاستراتيجي وثرواتها من مصادر الطاقة، الأمر الذي يجعل الكثيرين من أنصار نظرية المؤامرة، يعتقدون في وجود أيادٍ خارجية خفية وراء هذه التحركات الشعبية.
هذا الاعتقاد الذي لم تظهر له معالم في حالة الثورة التونسية، ولم يثبت وجوده في حالة الثورة المصرية، وقد مرت هاتان الثورتان الشعبيتان ونجحتا بسرعة أذهلت العالم كله، ولم يذكر أن قوى أجنبية تدخلت فيهما، بينما النزاعات والثورات الشعبية الأخرى بدا فيها الدور الأجنبي واضحا، سواء بشكل مباشر مثلما يحدث في ليبيا، أو غير مباشر مثلما حدث في البحرين ويحدث في اليمن، وكذلك في سوريا يثور الجدل والحديث، حول وجود أيادٍ أجنبية داعمة ومحركة للمسيرات الشعبية هناك.
من الواضح أن غياب الدور الأجنبي في كل من تونس ومصر، لعب دورا كبيرا في نجاح الثورتين هناك، خاصة في الحالة المصرية التي أبهرت العالم كله، حيث لم تفكر الجماهير الثائرة في هاذين البلدين في الاعتماد على أحد ولم تلجأ لأية جهة، خارجية أو داخلية، بل إنها رفضت أن تعطي زمام أمورها لقوى سياسية داخلية حاولت أن تصعد على أكتافها.
وكان المشهد في ميادين تونس ومصر وشوارعهما واضحا للعالم كله، ولم يواجه الإعلام مشكلة في البلدين، حيث إن أطراف الصراع محددان بلا لبس أو غموض؛ السلطة والشعب، ولا ثالث لهما. أما في ليبيا فقد بدا الأمر في البداية مشابها لما حدث في تونس ومصر، لكنه سرعان ما تغير بمجرد ظهور التهديدات الأجنبية بالتدخل.
وبعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973، الذي نص على فرض الحظر الجوي وحماية المدنيين، ومع بداية التدخل العسكري، تغير الوضع تماما في الشارع الليبي، وبدا واضحا عدم الالتزام ببنود القرار الدولي، وبدأ القصف العشوائي، وتوالى سقوط عشرات الضحايا من المدنيين العزل الذين صدر القرار الدولي لحمايتهم، نتيجة الصراع بين الطرفين، ووقعت وسائل الإعلام التي روجت للثورة الشعبية الليبية ولمعاناة الشعب الليبي من نظام القذافي القمعي، في حيرة من أمرها، حيث طمس التدخل العسكري الأجنبي معالم الثورة الشعبية، وغيب بشكل واضح معاناة الشعب الليبي الذي تقزم فجأة في شكل أعداد متفرقة من ميليشيات مسلحة تقدر بعشرات الأفراد قيل عنهم إنهم الثوار، بينما اختفى الشعب الليبي الذي قام بالثورة وأشعلها وسيطر على مدينة بنغازي الكبيرة وعدة مدن أخرى، وكان على وشك النهوض في العاصمة طرابلس.
على ما يبدو فإن التدخل العسكري الأجنبي وظهور الميليشيات المسلحة في الشوارع، أصاب الناس بالخوف والرعب والشكوك الكثيرة، كما انتابهم الإحساس بضياع الهدف، خاصة مع زيادة القصف الناري العشوائي من كافة الأطراف، بما فيها حلف الناتو وقوات القذافي والثوار، وكان المدنيون الأبرياء هم الضحايا، الأمر الذي جعل البعض يقول إن الثورة الليبية ضاعت بسبب التدخل الأجنبي، وأصبحت الأوضاع في ليبيا تشير إلى أن رغبة الدكتاتور المستبد للبقاء في السلطة، تستطيع إيقاف التحرك الثوري.
ما حدث في مصر وتونس حرك الشعوب في البلدان الأخرى، بينما ما حدث في ليبيا حرك الأنظمة الحاكمة وجعلها تعيد حساباتها وتحشد قواتها، استعدادا لمواجهة المسيرات الشعبية. ولا شك في أن ما حدث سوف يدفع الأنظمة الحاكمة المستبدة وغيرها، إلى السعي إلى تكديس السلاح وتجييش القوات العسكرية الكبيرة، حيث يتحدث الكثيرون الآن عن فشل قوات الناتو في تحقيق إنجازات وأهداف ميدانية فعالة، بينما قوات نظام القذافي لم تتوقف عن القتال في كل مكان، ولديها استعداد كبير للاستمرار لفترة طويلة في الميدان. بل يقول البعض إن ما حدث في ليبيا سوف يدفع الدول الأخرى إلى امتلاك السلاح النووي وتكديس الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، حيث تساءل الكثيرون، هل كانت الدول الأخرى وحلف الناتو يجرؤون على الهجوم على ليبيا، لو كان لديها سلاح نووي وكيميائي؟
للثورات الشعبية مسار خاص يختلف تماما عن مسارات الثورات والانقلابات الأخرى، ومن أهم معالم مسار الثورة الشعبية غياب القيادة المنظمة، وغياب الأيديولوجيات، وغياب الدعم الأجنبي. والتدخل الأجنبي بالشكل الذي حدث في ليبيا، يفقد الثورة الشعبية هويتها وشرعيتها، وهذا ما شاهدناه في العراق وأفغانستان اللتين لم يستقر الأمر فيهما حتى الآن.
ولا شك أن مطالب الشعوب دائما عادلة، وأن الأنظمة الحاكمة مهما كان حسن أدائها، دائما مقصرة في حق الشعوب، والمسيرات والثورات الشعبية شرعية وعادلة، ولكن تبطل شرعيتها وتضيع مع التدخل الأجنبي فيها. ولهذا كان الموقف الروسي الذي انتقده الكثيرون، صحيحا وواضحا في رفض التدخل الأجنبي، وعدم دعم أي من الطرفين ضد الآخر.