هل بات التقسيم الجغرافي السياسي مصير ليبيا المحتوم؟ خير مقاربة موضوعية للإجابة عن هذا السؤال الكبير، هي التوقف عند ما ورد في مقابلة صحافية على لسان أحد كبار قادة المعارضة الليبية. ففي حديث مطول إلى صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، قال محمد بن غليون رئيس الاتحاد الدستوري الليبي المناوئ لنظام القذافي: «إن التقسيم قد حدث فعلا على الأرض، لكن هول المشهد والحماس الثوري والعواطف المتأججة تحجب الجميع عن رؤية هذا الواقع». وفي سرد تفاصيل هذا «الواقع» كما يراه، يتحدث بن غليون عن شرق وغرب ووسط.

الشرق الذي تمحور حول مدينة بنغازي، تحرر من قهر القذافي ولن يقبل بالعودة إلى حكمه أبدا. أما نظام القذافي نفسه فإنه لايزال يحكم الغرب «بالإضافة إلى الجنوب».

أما بالنسبة للوسط فإن بن غليون يتوقع أن يستمر فيه الكر والفر سجالا بين قوات الثوار وكتائب القذافي، للسيطرة على رأس لانوف والبريقة وحقول النفط التي تغذيها، حتى تتدخل قوات غربية بهدف حماية منابع النفط ومنشآته.. وبالتالي تصبح تلك المنطقة قسماً ثالثاً تحت حماية دولية.

والسؤال الذي يطرأ على الذهن هو: هل ما يطرحه هذا القيادي الليبي المعارض قدر مقدور؟

مما لاشك فيه أن هناك مؤشرات واقعية تشي بأن هناك حالة من التفكك الجغرافي، فرضتها ظروف الصراع المسلح الجاري وتقلباته، وبالتالي يبرز التساؤل نفسه بصورة مختلفة: هل تتفاقم حالة التفكك لتفرز تقسيماً حاداً ونهائياً؟

ما يمكن قوله بثقة في هذا السياق خلال المرحلة الراهنة، هو أن التقسيم سيكون حتمياً بحكم الواقع على الأرض، كلما طال أمد الحرب، والعكس صحيح. فإذا حسمت الحرب بانتصار كاسح لهذا الطرف أو ذاك في غضون أمد زمني قريب، فإن احتمال التقسيم سوف يتلاشى.

لكن للأسف، يبدو أن الحرب مرشحة للتصاعد؛ هكذا يتنبأ الغرب. وفي هذا الصدد رجح وزير الدفاع الفرنسي «جيراد لونفيه»، أن يطول أمد الصراع. وقال في مقابلة مع صحيفة فرنسية: «نعم.. إن هناك احتمالاً أن يطول أمد تلك الحرب؛ لأنها معقدة». ويشير الوزير الفرنسي إلى أن ما يجعلها معقدة، هو أن الاقتتال بين الطرفين يتخذ طابعاً قبلياً.

لكن انظر إلى المشهد من زاوية مختلفة، لتكتشف أن الاقتتال سيتوقف بأسرع مما نتوقع، وبالتالي يبطل احتمال التقسيم، لو أن القذافي تنحى وغادر السلطة والبلاد معاً.

التنحي المبكر هو دون شك الخيار الأفضل للقذافي. ولا ندري لماذا يصر على رفض هذا الخيار؟ فالقذافي بات في سباق مع الزمن، ليس في صالحه بحال من الأحوال. حتى من دون تدخل قوات غربية برية في المعترك القتالي، فإنه يواجه حتمية نفاد مخازن ذخيرته. ثم إن العقوبات الدولية التي قررتها الأمم المتحدة عليه وعلى أبنائه وأقاربه، تحول دون استفادته من أرصدته في البنوك الأوروبية والأميركية، وبالتالي دون حصوله على إمدادات سلاح.

قرار مجلس الأمن الدولي رقم ‬1973، لا ينص بكلمات صريحة على إرسال قوات قتالية أجنبية إلى ليبيا لمشاركة قوات الثوار في القتال ضد كتائب القذافي، ولا على إمداد هذه القوات الثورية بأسلحة. لكن الصياغة اللفظية الفضفاضة لهذا القرار، تسمح بتفسير بعض فقراته على نحو يتلاءم مع الأهداف الاستراتيجية للدول الغربية.

لقد أرسلت دول أوروبية في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، مجموعة مستشارين عسكريين إلى بنغازي. وليس من العسير الاستنتاج أنه يراد لهذه الخطوة أن تكون تمهيداً لإرسال قوات قتالية لاحقاً، دون أن يبدو أن هذه الدول تنتهك قرار الأمم المتحدة.. وإذا حدث ذلك فعلاً، فإن المصير النهائي لنظام القذافي سيدخل مرحلة عد تنازلي.

حتى الآن لا يبدو أن العقيد على استعداد للتنحي عن السلطة طوعا، بل على العكس من ذلك، تفيد كل المؤشرات المتواترة أنه صار متمسكاً بحكمه الانفرادي الاستبدادي أكثر من أي وقت مضى. وهذا سوء تقدير نابع من شعور ذاتي بالنرجسية، وليس عن تفكر موضوعي في الوقائع والعواقب.

ومما يثير العجب في هذا الصدد، أن القذافي لا يبدو أنه يدرك مدى عزلة نظامه عربياً ودولياً، وهي عزلة تتسع أبعادها يوماً بعد يوم، مما يجعل النظام يمضي سريعاً إلى نقطة اللاعودة.