يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية لا تقيم وزناً لجميع الانتفاضات التي تشهدها الساحة العربية، من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق. فقد طالبت مندوبتها في الأمم المتحدة الدول الأعضاء في مجلس الأَمن، بشطب تقرير اللجنة الدولية عن جدول أعمال الأمم المتحدة، وإسقاط ما ورد فيه بشأن الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة المحاصر، في نهاية 2008 ومطلع 2009. وذلك يطرح تساؤلات كثيرة حول إصرار أميركا على تبني دور متشدد وداعم على الدوام للإدارة الإسرائيلية، رغم بروز مواقف لنخب إسرائيلية تطالب بضرورة الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن حدود العام 1967.
فالضغوط التي مورست على رئيس اللجنة، القاضي غولدستون، وتراجعه عبر مقالة صحفية لا تنفي ارتكاب إسرائيل لجرائم مثبتة بالصور والأرقام ضد شعب غزة، ولا تبرر مواقف الأميركيين بالدعوة إلى شطب التقرير عن جدول أعمال الأمم المتحدة، بعد عجزهم عن إسقاطه في اجتماعات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. كما أن تراجع القاضي غولدستون لا يشير إلى تراجع أعضاء اللجنة التي صاغت التقرير بالاستناد إلى حقائق دامغة وتقارير مدونة، تثبت الأعمال الإجرامية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد شعب محاصر من جميع الجهات، وتعرض لأشد أنواع الأسلحة تدميرا خلال أكثر من شهر، دون أن تصدر الولايات المتحدة قرارا واحدا أو بيانا رئاسيا، يدين تلك الأعمال الهمجية، بل كانت تساوي بين الجلاد والضحية.
ما زالت الولايات المتحدة ترفض دور الوسيط العادل بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، بحيث تصبح حكَما نزيهاً يسعى جدياً إلى إيجاد حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية من خلال المفاوضات. فهي منحازة بالكامل إلى جانب إسرائيل، ولا تردعها عن المسار الخطير الذي تسير فيه والعمل على تحويل فلسطين إلى دولة عنصرية دينية، تضم جميع يهود العالم بعد أن تطرد من داخلها جميع العرب، مسيحيين ومسلمين. وقد تحدت إسرائيل علانية قرارات الأمم المتحدة التي نصت عل حماية دولية للمؤسسات التي تعود للأديان السماوية الثلاث في فلسطين؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية. ونصبت نفسها الحارس الوحيد لتلك المؤسسات الدينية، وجعلتها تحت إدارة الدولة اليهودية منفردة.
تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة غليان كبيرة في أكثر دولها. وقد تحرك العرب لطلب دعم المؤسسات الدولية لضمان الحقوق المشروعة للفلسطينيين، والعمل على تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، بالطرق السلمية أولا، وإدانة التطرف الإسرائيلي المنفلت من جميع القيود الدولية والقيم الإنسانية، التي تحمي حرية الإنسان الفلسطيني وحقه المشروع في بناء دولته المستقلة. لذلك تبدو محاولة الإدارة الأميركية تجاهل تلك الانتفاضات والاستمرار في تقديم دعم قوي لإسرائيل، مؤشرا بالغ الدلالة. فالدولة اليهودية تعيش اليوم مأزق الخوف على الوجود، وسط تبدلات عربية وإقليمية لم تشهد المنطقة مثيلا لها منذ ثورة مصر عام 1952. وتتظاهر إسرائيل بأن ما جرى في تونس ومصر وما يجري الآن في دول عربية أخرى، لا يعنيها. لكن التبدلات المرتقبة تثير فعلا قلق المسؤولين الإسرائيليين من أن تقود موجة التغيير التي تشهدها المنطقة العربية، خاصة مصر، إلى إعادة نظر جذرية في الاتفاقيات التي وقعتها سابقاً مع الدولة اليهودية.
من المتوقع فعلاً أن تحدث الانتفاضات العربية الراهنة، خللاً كبيراً في الاستراتيجية الإسرائيلية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية. كما أن قراءة متأنية للمسيرة التاريخية التي عاشتها إسرائيل منذ نشأتها عام 1948، تثير الرعب في نفوس الإسرائيليين. فقد نعمت لعقود طويلة بحالة من الاطمئنان إلى مواقف دول الجوار الإٌقليمية، في إيران وتركيا وإثيوبيا، بعد أن دعمتها بقوة لعقود عدة. وبعد أن اطمأنت إلى موقف مصر بعد اتفاقيات كامب دافيد، وإلى موقف الأردن بعد اتفاقيات مماثلة، على أساس «حسن الجوار» أو سياسة عدم الاعتداء أو توتير العلاقات الحدودية بين الجانبين، خاضت حربا توسعية ضد اللبنانيين، فاحتلت بيروت ونصف لبنان عام 1982. وشنت حرب إبادة جماعية في مجازر صبرا وشاتيلا، وسياسة تهجير جماعي أو «ترانسفير» ضد الفلسطينيين داخل إسرائيل.
لكن تبدلات جذرية أعادت خلط الأوراق لغير صالح إسرائيل، خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فقد شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ قيام الثورة الإيرانية، والتبدلات السلمية في تركيا إبان مرحلة رجب طيب أردوغان، وانتفاضة الشعبين التونسي والمصري في مطلع العام 2011، مؤشرات بارزة تشير إلى صعود قوى عربية وإقليمية معادية للمشروع الصهيوني. وفي حين ينادي بعضها بإزالة إسرائيل من الوجود، يطالب البعض الآخر بإيجاد حلول عقلانية للصراع العربي/ الإسرائيلي المستمر منذ قرابة المائة عام. ولن تعرف منطقة الشرق الأوسط الأمن والاستقرار، إلا بعد إيجاد حل عادل ودائم لهذا الصراع.
لم يعد الدعم الأميركي الأعمى لإسرائيل قادرا على حماية أمنها وسلامة شعبها، بعد تفجر الانتفاضات الشعبية في غالبية الدول العربية التي كانت تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل. وبات على القيادة الإسرائيلية أن تعيد النظر بعمق في سياساتها الآنية واستراتيجيتها طويلة الأمد تجاه دول الجوار الإقليمية، وأن تأخذ بعين الاعتبار أن مصر تعمل على استعادة دورها الطليعي العربي بسرعة، لكن دون تسرع.
على خلفية الدعم غير المحدود الذي تمحضه الولايات المتحدة للدولة اليهودية، يطلق قادة إسرائيل بين حين وآخر تصريحات علنية لطمأنة المجتمع الإسرائيلي القلق على مصيره، فأكدوا مرارا على أن الجيش الإسرائيلي مستعد لكل الاحتمالات. ولمزيد من طمأنة الإسرائيليين، توقع بعضهم تغييرات كبيرة في إيران ودول أخرى معادية لإسرائيل. وهم يتوهمون إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المنتفضة، دون أن تبدل الدولة اليهودية من إيديولوجيتها العنصرية، ومن ممارساتها الفاشية ضد الفلسطينيين وباقي العرب.
ختاماً، تحاول الإدارة الأميركية، طمأنة القيادة الإسرائيلية إلى ثبات موقفها الداعم لإسرائيل في جميع الظروف، وهي تقلل بذلك من شأن الانتفاضات العربية الأخيرة، لا بل تعرضها للمساءلة أمام جماهيرها المنتفضة، حين تحذر قادتها من تبني أي موقف معاد لإسرائيل وتعتبره معادياً للأميركيين. وتبنت القيادة الإسرائيلية بدورها هذا الموقف، لتحاول إقناع الإسرائيليين بأن جميع دول منطقة الشرق الأوسط عرضة للتغيير، إلا إسرائيل. وهي تبني أوهاماً كبيرة على استمرار الموقف المصري تجاهها دون تغيير، وأن مصر الانتفاضة ستبقى وفية للاتفاقيات التي وقعها النظام السابق مع إسرائيل، وعطلت دور مصر الوطني والقومي والإقليمي. لكنها مراهنات خاطئة، لأن الانتفاضات العربية كانت، في جانب أساسي منها، ضد إسرائيل والقوى العربية والعالمية الداعمة لها.