لم تمض سوى بضعة أسابيع على معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي صار أحد أهم معارض الكتب في المنطقة بأسرها، وينفض سامر من سعدوا بزيارة المعرض، حتى فتحت أبوظبي أبوابها لاستضافة معرض أبوظبي الدولي للكتاب.
انطلقت فعاليات المعرض (في دورته الحادية والعشرين) الذي نظمته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث وشركة «كتاب»، في الأسبوع الأخير من مارس المنصرم. وفي تقديري أنه من المناسبات الهامة التي تحشد لها أبوظبي الكثير من الاهتمام والتدابير والجهود التي لا تخطئها عين..
ولا شك أن الذين أسعدهم الحظ بزيارة هذا المعرض، حظوا برصيد هائل من المعرفة التي يصعب الحصول عليها في أي مكان آخر. ويكفي القول إن المعرض حظي بمشاركة 850 دار نشر عربية وعالمية،.
وبحضور مكثف لنحو 58 دولة من جميع أنحاء العالم. لقد سعد كل من تجول في أروقة أرض المعارض، حيث أقيم المعرض، بمشاهدة العديد من البرامج الثقافية.. لعل من أهمها الفصول التعليمية والتربوية، وركن الإبداع للناشئة، وركن الطهي..
وأيضاً هناك ركن النشر الرقمي، وفيه تم عرض أحدث تقنيات النشر الرقمي التي عرفها العالم مؤخراً.. وفي إفادة لأحد منظمي المعرض، أوضح أن جهود هيئة أبوظبي للثقافة والتراث تعمل ضمن رؤية استراتيجية، لجعل أبوظبي تتصدر المشهد الثقافي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، بل ولتبقى أبوظبي ملتقى لثقافات الشعوب وحضاراتها..
وهو قول يؤكده حضور نحو 200 ألف زائر للمعرض، وأن المعرض تجاوز كونه محطة أو سوقا لبيع الكتاب، إلى كونه صار موقعاً هاماً تلتقي في أروقته نخب من الكتاب والناشرين والمبدعين، والمعنيين بقضايا الملكية الفكرية وغيرهم.
لقد أتاحت لنا هيئة أبوظبي للتراث، فرصة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة كل عام، لحضور العديد من الندوات واللقاءات التي تنظمها بشكل جيد وجذاب، داخل أرض المعارض ذات البهو الفسيح والمكان الرحب الذي تم تحسينه ليناسب أهمية المناسبة.
لقد لفتت نظر من تردد على معرض أبوظبي للكتاب هذا العام، متابعة إنجازات الدورة الخامسة لجائزة الشيخ زايد للكتاب والتي ترشح لها (6) أفراد، فضلاً عن الجائزة العالمية للرواية العربية..
وهنالك مشروع «كلمة» وهو أحد مشروعات الهيئة المبتكرة.. لقد طاف بنا من تولوا تعريفنا بكافة فعاليات المعرض، فوقفنا كمدعوين على الجهود التي بذلتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في ترجمة ما يزيد على ثلث عدد الكتب التي تمت ترجمتها في كافة أنحاء الوطن العربي.
وذلك في فترة زمنية لم تتجاوز أربع سنوات، حتى تمت ترجمة 400 كتاب تم اختيارها بعناية لتغطي جميع أوجه الثقافات والمعارف الإنسانية،.
وهو جهد معرفي يستحق التقدير.
وفي هذه الدورة تم إطلاق مشروع «مكتبتي»، وهو الأحدث في ميادين صناعة النشر، ويهدف إلى توفير منشورات المكتبة الوطنية التابعة للهيئة، التي تشتمل على مطبوعات قسم النشر ومطبوعات «كلمة» للترجمة أو قلم الكتاب الإماراتيين عبر تطبيقات «أي فون» وأي باد،.
والتي يستطيع من يرغب الحصول عليها عبر خدمة الـ«أي بوكس»، وهي تجربة جديدة ومتفردة نجحت الهيئة في إنجازها بالتعاون مع شركة أبل المعروفة..
وهكذا يتم الانتقال التدريجي بالقارئ العربي إلى آفاق المكتبة الرقمية، وتطوير صناعة النشر الرقمي، وتعميم ثقافة القراءة الرقمية لأجيال المستقبل.
لقد لفتت الأنظار الحشود الكبيرة من زوار المعرض، خصوصاً طلاب المدارس الابتدائية والثانوية الذين جاءت بهم مدارسهم لزيارة المعرض، حيث انكب التلاميذ على شراء الكتب والأقراص المدمجة، بما يفيد أن تحولات كبيرة حدثت بالفعل في مجتمع الإمارات.
كان هناك حضور مكثف من القوات النظامية، القوات المسلحة والشرطة، الذين جاءوا لزيارة المعرض، بما يفيد أن العديد من الدوائر والمؤسسات الحكومية رصدت ميزانيات مقدرة لشراء الكتب.. وبدا لي أن مجتمع الإمارات يؤسس لقيام مجتمع المعرفة.
لقد كانت ساعات مع طولها مرت بسرعة، أتيحت لنا خلالها فرصة سياحة فكرية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، والذي ما أن بدأ حتى انتهي لقصر المدة التي حددت له، والتي كان بالإمكان أن تكون أطول من ذلك. ما تهمنا الإشارة إليه، هو أننا نعيش في عصر تتغير فيه الأشياء وتتجدد بشكل متسارع..
وفي عصر الفضاء المفتوح وتعدد القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية وثقافة العولمة، لم يعد الوقت يكفي إلا لمشاهدة البرامج التليفزيونية والتسكع في مراكز التسوق..
ويجيء تنظيم معارض الكتاب ليذكرنا بأهمية القراءة، وضرورة المطالعة والبحث عن مصادر المعلومات والمعرفة.. ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لتنظيم مثل هذه المعارض، إلا أننا ما زلنا لا نقرأ بما يكفي..
وقد لفت النظر تقرير التنمية البشرية الصادر عن «المعرفة»، إلى أن المجتمع العربي يعاني من فقر معرفي، ولا سبيل إلى تأسيس مجتمع المعرفة إلا بالقراءة، وأعني بها القراءة الجادة، والتي توفرها لنا مثل هذه المعارض الزاخرة بثقافة المعرفة، وذات الطابع المشوق والمشجع للاطلاع والقراءة.