بعد أن أجهض المجتمع السياسي محاولات التغيير السلمي في العالم العربي، نجح الشباب العربي في إسقاط بعض الأنظمة العربية وإجبار أخرى على إدخال تعديلات جذرية، بما يساعد على تصويب العلاقة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني ومؤسساته لبناء مستقبل عربي أفضل. فقد نظموا صفوفهم بعناية فائقة، واستفادوا بشكل عقلاني من تكنولوجيا الاتصال والتواصل المتوفرة، للإطاحة ببعض رموز المجتمع السياسي القائم على نظام أمني يعتمد القمع والإرهاب ضد شعبه، ويحول مؤسسات الدولة إلى سلطة تعسفية تقمع المواطنين وتستبيح أموالهم.

نجحت الانتفاضات الشعبية في تونس أولا ثم في مصر، وأحدثت تغييرات مهمة في دول عربية أخرى. فبات المواطن العربي اليوم في الدول المنتفضة، أكثر حرية في التفاعل الإيجابي مع دولته، على أسس عقلانية وبراغماتية تمتاز بالمرونة والاحترام المتبادل. وأدرك الجميع أن بناء الحكم الرشيد أو الصالح، يتطلب التوظيف في الإنسان أولا. فالمواطن الحر الذي يتمتع بكامل حقوقه، هو غاية المجتمع السياسي وركيزة الدولة العصرية العادلة، التي تقوم على حكم القانون والمؤسسات، وتزود المواطن العربي بالعلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة.

يستعد الجيل العربي المنتفض لتحقيق خطوات نوعية على طريق بناء دولة عصرية، ذات مؤسسات حديثة وقادرة على مواكبة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعزز دور المجتمع المدني في الدول العربية بصورة تدريجية على طريق المعاصرة. ويراقب مجتمع الانتفاضة بدقة، ما يقوم به قادة المجتمع السياسي بعد الانتفاضة، لتعزيز ركائز التغيير الديمقراطي، وبناء حداثة سليمة ترسخ الهوية الوطنية في كل بلد عربي، وتحافظ على وحدة الأرض والشعب، وتعمل على استقطاب النخب الثقافية والإدارية العربية المهاجرة، ودعوتها للمشاركة في عملية التحديث الشمولي.

في اعتقادي أن مرحلة تجاهل مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي، قد طويت إلى غير رجعة، وعلى قادة الانتفاضات بناء المجتمع السياسي القادر على مواجهة تحديات العولمة. فلم تعد الدولة العصرية قادرة على ممارسة القمع والتسلط، ومصادرة الحريات الفردية والعامة، بل تكتسب شرعيتها من طرق معاملتها الحسنة لمواطنيها. فهي توصف اليوم على المستوى الكوني، بأنها دولة الرفاه الاقتصادي، أو دولة العدالة الاجتماعية التي تشكل ضمانة أكيدة للتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

من المتوقع أن تتطور مؤسسات المجتمع السياسي في الدولة العربية المنتفضة، بصورة واضحة في المرحلة الراهنة. وعليها أن تتمايز تدريجيا عن مؤسسات المجتمع الأهلي، كالعائلية والقبلية والعرقية والطائفية، التي شكلت الركيزة الصلبة للدولة التسلطية العربية.

لقد وضعت مؤسسات الدولة المنتفضة تحت رقابة شبابية صارمة، تتمتع بالصدقية والشفافية والقدرة على المساءلة القانونية، وهي تطالب باحترام القانون، وتنظيم عمل مؤسسات المجتمع المدني، ومعاقبة الفاسدين، وعدم الإساءة إلى الوظيفة والمال العام أو استغلالهما لمنافع شخصية. وتشدد على حسن اختيار أصحاب الكفاءة العلمية والنزاهة الخلقية، من مؤسسات المجتمع المدني لتولي الوظائف.

وبدأت ضغوط المجتمع السياسي تنحسر تدريجيا عن مؤسسات المجتمع المدني، التي رفضت دوما سياسة القمع والإرهاب السلطوي، وأكدت أن جميع المواطنين في الدولة المدنية العصرية سواسية أمام القانون، ولكل منهم الحق في تولي أعلى المراكز، في حال توفر شرطي الكفاءة العلمية والنزاهة الخلقية.

بيد أن نجاح الانتفاضات الشعبية العربية رهن بقيام مؤسسات عصرية، عسكرية ومدنية، تحترم الحقوق الأساسية للمواطنين، وتشجع مؤسسات المجتمع المدني على ممارسة دورها بحرية. وعلى القيادات الشابة المنتفضة، أن تضع أسسا واضحة لممارسة الحكم، وتداول السلطة بصورة طبيعية. وأن تتبنى سياسة احترام المصالح المتبادلة بين الشعوب، وتغليب لغة الحوار العقلاني على لغة التهديد بالعنف أو التلويح باستخدام القوة. وتلعب سياسة اليد الممدودة أو الانفتاح على المجالين الإقليمي والدولي، دورا بارزا في بناء جسور التواصل بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، داخل دولة الرعاية أو الرفاه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومع الدول والشعوب المجاورة، بما يضمن المصالح المشتركة لكلا الجانبين.

فالتنمية المستدامة، والانتقال التدريجي من المجتمع الأهلي إلى المجتمع المدني، ومن العزلة إلى الانفتاح، ومن الحكم المطلق إلى دولة القانون والمؤسسات، تشكل المدخل السليم لبناء الثقة المتبادلة بين مؤسسات السلطة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. وذلك يتطلب احترام الدستور، وتطبيق القانون على جميع المواطنين، ومحاكمة المسؤولين بشفافية مهما علت مراتبهم، على أن تتمتع مؤسسة القضاء باستقلالية تامة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وذلك بصفتها سلطة الرقابة المباشرة على الجميع. وبفضل التعاون الايجابي بين السلطات، تتطور مؤسسات المجتمع السياسي ومؤسسات المجتمع المدني، لتمارس كل منها عملها بصورة طبيعية، وبالتنسيق مع النخب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنسائية والشبابية الفاعلة في العالم العربي، مما يضاعف من قدرة العرب، شعوبا ومؤسسات ومنظمات، على دخول عالم الحداثة كتلة شعبية موحدة تقودها دول عصرية. لذلك نبه الباحثون العرب مرارا، إلى أهمية الربط بين التنمية الشاملة والديمقراطية السليمة في العالم العربي.

أخيرا، بدلت الانتفاضات الشبابية من النظرة السابقة إلى الإنسان العربي الخامل، إلى مواطن حر في دولة مدنية تحمي الوطن من التشنجات الإيديولوجية، والتعصب العرقي أو الديني. ولعل أبرز الدروس التي يمكن للقيادات العربية الشابة الاستفادة منها، بعد سرعة انهيار الأنظمة التسلطية في كل من تونس ومصر، أن المجتمع السياسي العربي يحتاج إلى مناخ من الليبرالية التي تعزز الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا بد من فك الارتباط التبعي بالخارج، وبناء استراتيجية عربية جديدة تشجع الاعتماد على النفس، وعلى التكامل الوثيق بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وأثبتت تجارب الشعوب أن الدولة التي تصالحت مع شعبها، وتنبهت باكرا إلى التبدلات الجذرية في مفهوم الدولة الحديثة ووظائفها، وتعاونت بشفافية مع مؤسسات المجتمع المدني، بقيت بمنأى عن التحركات الشعبية التي تطالب الآن بإسقاط النظام.

ختاما، منحت الجماهير الشعبية ثقتها للشباب العربي، بصفته الطاقة المستقبلية الواعدة لحماية الوحدة الوطنية واحتضان التغيير الديمقراطي السلمي. ومن أولى واجبات قادة الانتفاضات اليوم، أن تعزز الوحدة الداخلية على أسس جديدة، وتحارب كل أشكال الفتن والانقسامات العرقية والطائفية والقبلية والجهوية. وقد ألقى نجاحها على كاهل الشباب العربي مسؤوليات كبيرة، لبناء مجتمع سياسي قادر على إقامة علاقات تكامل، وليس تعارض مع مؤسسات المجتمع المدني، التي هي صمام الأمان للاستقرار والتنمية المستدامة.