نستطيع القول؛ بما لا يدع مجالاً لاتهام متحيز أو نقد جائر، إن الإمارات أثبتت عبر عمرها الصغير زمناً، الكبير أثراً، أنها واحة الحريات والتعايش والتلاقي الإنساني، المنفتح على كل الثقافات، المتقبل لجميع التباينات الإيديولوجية والإثنية والدينية، المستوعبة لباقة متنوعة من الشعوب، بعاداتها وتقاليدها وتفاصيل حياتها، في انسجام بديع تشهد له اللوحة الممتدة على ثرى الوطن، الحاشدة لأكثر من مئتي جنسية من شتى بقاع الأرض.

هذه البانوراما الأعجوبة، لم يكن لها لتنجح في التئام جسور الصلة بينها، لولا أنها قامت على تربة خصبة من الانفتاح والاستعداد لقبول الآخر، من أبناء الوطن وأهله وقياداته، تحت مظلة رحبة من القوانين والتشريعات الضامنة لاستمرار تماسك هذا النسيج وإنجاحه وتلافي ثغراته.

ويترجم هذا الانسجام الإنساني الواسع على أرض الإمارات، الحركة السياحية المتواصلة التي لم تنقطع إلى بلادنا التي غدت مقصداً للوفود السياحية، حتى في أشهر الصيف التي كان بعض الناس يعتقدون أن صحراء الخليج كفيلة بإبعاد أي فكرة للسياحة على أرضه، على مدى الصيف الممتد.

وعلى قدر الحرص الوطني الكبير قيادة وشعباً، على احتواء ضيوف الإمارات، سواء من السائحين أو المقيمين، وتقديم الصورة اللائقة بمجتمع يحترم الآخرين، إلا أنه يستلزم من الآخر بلا أدنى شك ممارسة تكون بمستوى القبول الاجتماعي من أبناء الإمارات له، والذي يتمثل باحترام التقاليد والعادات والثوابت الاجتماعية والوطنية، بحيث ينتظم عقد العلاقة على عدم الاستهانة بجذور الهوية العزيزة على قلوبنا، ولتبقى فلسفة الاحترام هي السائدة.

هذا الذي نقوله بالعموم، دفع إليه مع الأسف، أن بعض ضيوف الإمارات يقومون بممارسات لا تنم، في أحسن التأويلات لها، إلا عن جهل بأهمية الثوابت الوطنية وعدم العلم بها، ولا نريد أن نقول إنها في أسوأ تأويلاتها تدخل في دائرة عدم المبالاة والاستهانة بالعادات والتقاليد وعدم احترام تقدير الناس لها. والمعروف في ثقافتنا الحياتية التي نفخر بها، أن الحواجز الأخلاقية والعادات المرتبطة بالهوية، لها من المكانة في نفوس أبناء الوطن ما يجعل المساس بها تهديداً لا يقبل السكوت عنه أو غض الطرف بأي شكل من الأشكال، ويحمّل المجتمع ثقل المواءمة الصعبة بين متطلبات الانفتاح وقبول الآخر، وبين الحفاظ على الثوابت التي يعتبرها محور حياته، والأهم لديه من زيادة الدخل أو الانتعاش والرفاهية، لأنه يعدها قوام وجوده والحاضن الحقيقي لمستقبله في مدافعة الذوبان والدخول في دوامة اللامنتمي.

والأمثلة كثيرة يعرفها جلّ أبناء الوطن، وربما في ذهن الكثيرين منا أمثلة حاضرة للعديد من الصور التي يتمنى أن لا يراها في بلاده، ولا نريد أن نقف عندها بقدر ما نريد البحث في جذورها وسبل تلافي انتشارها. فالحقيقة أن هناك واجبات ومسلمات تفرضها حتمية استقبال الآخر، وهي أن يتعرف الزائر قبل أن يطأ أرض الوطن، إلى الثوابت التي لا تقبل الاستهانة بها، وهنا تأتي مهمة المنظمين للجماعات السياحية في أن يقدموا نبذة موجزة عن أهم ما تنبغي مراعاته، من دون تقييد للحريات، وإشعارهم بإيجابية مثل هذه الممارسات في نفوس أبناء الوطن، وتعزيز فرص الالتقاء والقبول الاجتماعي والممارسة العملية للتعايش وقبول الآخر. ويتصل بهذه المسؤولية أيضاً، الدور الذي يجب أن تقوم به سفاراتنا في الخارج حين التعريف ببلادنا والبيئة الخصبة الآمنة التي ننعم بها، في أن يقترن ذلك بالتأكيد على حميمية العلاقة بين المواطن وهويته وعاداته وتراثه، والمكانة التي تحتلها في سلم أولوياته، إضافة إلى نقل هذه المهمة أيضاً إلى سفارات الدول الأجنبية في بلادنا، لكي تحرص على نقل هذه الثوابت للجاليات الزائرة أو المقيمة لتكون في دائرة التعامل المقدّر، بحيث تظهر الاهتمام بما يهم الدولة وأبناءها، والاحترام لما يحترمه المجتمع الإماراتي ولا يرضى النيل منه.

ونقطة إضافية ربما تكون داعماً ومؤطراً لمثل هذه القيم، وهي منظومة القوانين التي تحصّن المجتمع من هذه الممارسات، والتي يفرض الحال أن تتناغم مع تطلعات الناس، من حيث ترتيب المخالفات والعقوبات على كل من يتجاوز أسس الحريات العامة ويتعدى على ثوابت المجتمع التراثية والأخلاقية، والحد من كل ما يتصادم مع أساسيات الهوية وشخصية الوطن والمواطن، وهي إجراءات قانونية لا تسيء لسمعة البلد، بقدر ما تشي لدى الآخر باعتزاز أبناء الوطن بثوابتهم، وترسم لديهم صورة عن مجتمعنا بأنه وإن كان قد رضي بالانفتاح وقبول الآخر منهجاً، إلا أنه لا يقبل بأي شكل من الأشكال الذوبان في الآخر، وأن ثوابت الهوية لا تقبل القسمة على اثنين، ولا الاجتزاء منها بأي ممارسة عملية مهما كانت بسيطة.