وصلني من أحد الأصدقاء قبل أيام، بريد إلكتروني يحتوي على مقطع فيديو يصور انقلاب شاحنة تحمل كمية من صناديق علب شراب «فيمتو»، على أحد الطرق في إحدى الدول العربية.

 

وقد تناثرت الصناديق والعلب في الشارع، وفي الجزيرة الواقعة بين المسارين. مشهد انقلاب الشاحنة في حد ذاته عادي جداً،.

 

ويمكن أن يحدث في أي مكان من العالم على سطح الكرة الأرضية، لكن غير العادي فيه كان تصرف العابرين للشارع وقت وقوع الحادث.

 

كان منظراً غير حضاري إطلاقاً؛ فقد اصطفت السيارات العابرة على جانبي الطريق، وانطلق السائقون والركاب يحمل كل واحد منهم ما يستطيع من الصناديق المتناثرة ليضعها في سيارته،.

 

وتحولت حمولة الشاحنة المقلوبة إلى غنيمة للعابرين من مختلف الجنسيات، الذين تباروا في حمل أكبر عدد من الصناديق، كل حسب طاقته، وبمقدار ما أسعفه الوقت، قبل أن تصل السلطات المختصة لتخطيط الحادث كما بدا لي.

 

لا أخفي عليكم أنني قمت بإعادة المقطع، الذي مدته دقيقتان وست وعشرون ثانية بالضبط، أكثر من عشر مرات،.

 

ليس بقصد الاستمتاع بالمشهد الذي أحزنني كثيراً، وإنما لرصد ومحاولة تفسير الانطباعات التي كانت ترتسم على وجوه أولئك العابرين الذين انطلقوا، في حماس غير عادي، يحملون الصناديق المتناثرة إلى سياراتهم، كأن فتوى شرعية صدرت بإباحة نهبها، وفق ما كان الشخص الذي التقط المشهد بكاميرا هاتفه المحمول يعلق مستغرباً، فقد شمر بعضهم عن ساقيه وذراعيه،.

 

بينما حمل بعضهم أربعة صناديق دفعة واحدة، رغم كبر سنه، ونزل بعضهم من سيارته ملثماً،.

 

بينما لم يمنع الحياء ولا الضمير بقية المارة من خوض غمار معركة النهب غير المنظم، كاشفين وجوههم في وضح النهار، غير عابئين بشيء.

 

فقد كان كل ما يعنيهم هو الخروج بأكبر كمية من الصناديق المستباحة، بغض النظر عن أي اعتبارات، شرعية كانت أم أخلاقية أم غير ذلك.

 

أعتقد أننا بحاجة إلى محللين نفسيين لفهم مثل هذه الظاهرة التي تتفشى بين كثير من الأفراد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال العام، ثم ينسحب على المال الخاص بالتبعية، كتحطيم المحلات التجارية والسيارات في المظاهرات، وتخريب الملاعب في مباريات كرة القدم، وتحيّن فرصة انقطاع الكهرباء للسلب والنهب.

 

وما مشهد تهافت الناس على سلب حمولة الشاحنة المقلوبة في المقطع الذي ذكرته، سوى نوذج للمشاهد الكثيرة التي رأيناها في مواقف عديدة.

 

وهو مشهد يثير الأسى، ليس للخسارة التي تعرضت لها الشركة المنتجة للشراب الذي كانت الشاحنة تحمله، فهي خسارة لا تذكر مادياً إذا قورنت بالخسارة الأخلاقية التي يمثلها مشهد أولئك الذين استباحوا الحمولة.

 

وتهافتوا على حمل الصناديق المتناثرة من الحافلة المقلوبة، دون أدنى إحساس بالذنب أو الشعور بأنهم يأخذون شيئاً ليس من حقهم.

 

لقد قدم لنا الشعب الياباني مثالاً رائعاً في التصرف برقي قلّ أن نجده لدى كثير من الشعوب في عصرنا هذا، إلى الدرجة التي جعلتنا نتداول تصرفاته عبر الرسائل الإلكترونية من باب الإعجاب والاندهاش.

 

حدث ذلك أثناء الزلزال الذي ضرب السواحل الشمالية الشرقية لليابان يوم الحادي عشر من شهر مارس الماضي،.

 

وأدى إلى موجات «تسونامي» اجتاحت آلاف المنازل على الساحل الشمالي الشرقي لليابان، وسببت أضراراً جسيمة، راح ضحيتها آلاف من القتلى والجرحى والمفقودين، وما زالت توابعه تتوالى حتى الآن.

 

فقد تصرف الشعب الياباني بهدوء يحسد عليه، إذ لم نشهد مناظر اللطم والصراخ التي تعودنا رؤيتها عندما ينهار مبنى مكون من ثلاثة طوابق لدينا.

 

وكان الاحترام سمة ظاهرة في التعامل مع الوضع المأساوي الذي وجد الشعب الياباني نفسه فيه، إذ اصطف الجميع في طوابير منتظمة للحصول على المواد الغذائية والمشروبات.

 

ولم يتدافعوا من أجل الفوز برغيف خبز أو زجاجة ماء مثلما نفعل. وفي الأماكن الأقل تضرراً، دخل الناس المتاجر واشتروا ما يحتاجونه فقط، تاركين لغيرهم المجال للحصول على احتياجاتهم أيضاً.

 

وعندما انقطع التيار الكهربائي، أعاد المتسوقون ما كان في أيديهم إلى الرفوف وخرجوا بهدوء، لأن الأجهزة لم تكن تعمل كي يدفعوا ثمن ما أخذوه. المطاعم خفضت أسعارها ولم تستغل الوضع لتزيد من دخلها، وبقيت أجهزة الصرف الآلي كما هي، فلم تتعرض للكسر والنهب .

 

كما حدث في بعض الدول ورأيناه على شاشات التلفزيون، أما الطرق والأحياء فقد ظلت آمنة، ولم نسمع عن البلطجية الذين يقطعون الطرق ويروعون السكان الآمنين في بيوتهم. وساد الانضباط الجميع.

 

فالكل يعرف ما يفعل بالضبط. كما كان الإعلام في قمة أدائه، إذ ابتعد عن التهويل والترويع وتزييف الحقائق، فلم تكن الصورة وردية .

 

كما تعودت أجهزة إعلامنا الرسمية تقديمها في أحلك الظروف والأوقات. كانت الحقائق فقط هي التي تظهر على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد، ولم يكن ثمة مجال للمنافقين ولا للمحرضين على حد سواء.

 

نعترف بأنها حالة فريدة من النادر رؤيتها، لكنها تقدم دليلا حياً على أنها ليست مستحيلة. التفسير الوحيد لها أنها نتاج نظام سياسي يعطي كل ذي حق حقه، كما أنها نتاج ثقافة ونهج أخلاقي تخلصا من عقد كثيرة.

 

أما أولئك الذين رأيناهم يستغلون الأزمات وحالات الفوضى والارتباك، بل وحتى الظروف التي تحمل نفَسا وطنيا نبيلاً، فهم نتاج أنظمة سياسية ضاربة في الظلم والاستبداد ووأد القيم النبيلة في نفوس مواطنيها،.

 

كما أنهم نتاج ثقافة ونهج أخلاقي لشعوب تعاني من عقد كثيرة، تحتاج عقوداً طويلة من الزمن كي تتخلص منها.

 

صحوة الشعوب هي الخطوة الأولى في طريق إصلاح أخلاقها التي أفسدها التسلط والطغيان وانتهاك الحقوق، وعلى هذه الصحوة أن تتحلى بالوعي الكافي، كي لا تعمي شهوة الانتقام الأبصار والبصائر، فتقود إلى أسوأ المصائر.