تقول بعض الأنظمة العربية إنها ستتبنى إصلاحاً على أن تطبقه تدريجياً، وتربط الإصلاح بالتدريج، وتنادي بالتأني وعدم التسرع، وقد أصبحت هذه (التدريجية) وسيلة لعدم إجراء الإصلاح أو الاقتراب منه واستبعاده، أو جعله في عداد الوعود مستحيلة التنفيذ والآمال التي لا يمكن أن تتحقق، وصار الإصلاح المزعوم مع الوقت أملاً بعيداً، بل وعوداً (خلّبية)، لا يصدقها أحد ولا يعتمد عليها أحد، ولا يؤمن شعب من شعوب هذه الأنظمة بأنها ستتحقق، أو توضع موضع التنفيذ.

لقد خلطت بعض الأنظمة العربية الثابت بالمتحول، والاستراتيجي بالتكتيكي، والرئيسي بالثانوي، والمبادئ بالإجراءات التطبيقية، ومن المعلوم في علوم السياسية وجود ثوابت وقيم ومفاهيم أساسية للدولة الحديثة والمجتمعات المعاصرة لا تقبل التجزئة، منها مفاهيم مرجعية المواطنة، وإقرار الحرية والديموقراطية، والتأكيد على المساواة وتكافؤ الفرص، وتداول السلطة، وفصل السلطات. وهذه المفاهيم جميعها ثابتة، لا يمكن تقسيطها، ولا يتدرج تطبيقها، ولا تقبل التجزئة، فهل يحتاج الإقرار بحق الحرية مثلاً إلى برمجة وتدرج؟. ومثله الحق بالديمقراطية وتداول السلطة.

وهل يمكن تقسيط المساواة وتكافؤ الفرص وتقديمها على شكل جرعات لمستحقيها؟.

بديهي أن هذه جميعها ثوابت إما أن تقبل كلها أو ترفض كلها، وعلى ذلك فإن ما تقوله بعض الأنظمة السياسية العربية التي تتبنى مبدأ الإصلاح بالتقسيط هو في الواقع هروب من الإصلاح برمته من خلال تحويله إلى إجراءات جزئية من دون مرجعية واضحة، وخطط تكتيكية، كما هو إشغال الجمهور بالجزئيات والتطبيقات وما نتج عنها.

حدثت أخطاء تاريخية في تاريخنا العربي الحديث والمعاصر جراء تجزئة الإصلاح وتطبيقه التدريجي وممارسة أسلوب الخطوة خطوة دون رؤية شاملة بعيدة المدى.

ولعل أول من وقع في هذا الخطأ هم النهضويون الأوائل، على مختلف تياراتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية، حيث تبنوا مبدأ تطبيق مفاهيم الحداثة مجزأة.

وأخذوا الأمر من آخره على أمل أن يمكّنهم من أوله، أي انطلقوا من تطبيقاته مفترضين أنها ستوصلهم إليه، وذلك على حساب تجاهل الثوابت، وإهمال فلسفة الحداثة بكليتها وقيمها الجوهرية ومبادئها الأساسية، وقبلوا بالجزئيات دون أن يتمسكوا بالكليات، فوقعوا وأوقعوا مجتمعاتنا ونضالنا السياسي وثقافتنا وتحديث مجتمعاتنا في مأزق، هو قبول تطبيقات الحداثة (متدرجة) دون القبض على فلسفتها وأسسها، فصاروا أسرى فلسفة يمينية وتطبيقات عصرية في الآن نفسه، وعليه تأسست مجتمعات عربية ذات علاقات استهلاكية عصرية من جهة، وذات مبادئ وآراء يمينية من جهة أخرى.

وشجع على ذلك، النهج الذي اتبعته الأنظمة والأفكار التي كانت تسعى لتطوير المجتمع وتحديثه، مثل نظام محمد علي باشا في مصر، أو أفكار خير الدين التونسي التي طبقها في تونس وفي السلطنة العثمانية عندما صار صدراً أعظم.

وكرس العرب منذ مئتي عام خطأهم التاريخي بفصلهم الفلسفة الحداثية عن تطبيقاتها التي اعتبروها كافية وتسد الحاجة، تماماً كما تفعل بعض الأنظمة العربية الآن، وذلك كله بحجة ضرورة التدرج والتدريج في التطبيق، وقد خشي النهضويون الأوائل من أن يؤدي تبني ثوابت فلسفة الحداثة إلى رفض المجتمع لها، وبالتالي إلى فشلها، واعتقدوا بأن تطبيقاتها المتدرجة ستكون مقبولة وتوصل إلى الهدف وهو الإصلاح الشامل بشقيه الفلسفي والمجتمعي.

وهذا لم يتحقق، وصار ذلك تقليداً عربياً ما زال ماثلاً في كل زمان ومكان (تحت شعار الوسطية والتدرج والتأني في التطبيق وعدم التسرع والبعد عن الجذرية باعتبارها متطرفة)، وكلما نادى مجتمع عربي بتبني الثوابت يقول له نظامه السياسي (وغير نظامه) إننا بحاجة لتطبيقها على مراحل، وهكذا لم يأت الإصلاح حتى الآن، ولا أظنه سيأتي، إذا لم نعُد لتبني الفلسفة والجوهر والأصل أولاً وابتداء.

إن من يريد من أنظمتنا السياسية الإصلاح عليه قبل كل شيء أن يعلن إيمانه بثوابت الإصلاح ويتبناها، ثم بعد ذلك يعمد إلى وضع برامج تطبيقية لها على عدة مراحل، أما أن يبدأ بالتطبيق التدريجي لأمور سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما تعلن بعض الأنظمة العربية دون مرجعية، فإن ذلك سيكون منزلقاً خطيراً في أحسن الحالات وخداعاً صريحاً في معظمها، لأن تقسيط تطبيق هذا المبدأ أو المفهوم أو ذاك على أمل الوصول إلى الإصلاح الشامل، يعني أن الأمر يتحول برمته عندها إلى تجريب من غير الاعتماد على مرجعية، وإلى رغبة عارضة، وإجراء تكتيكي، وفي النهاية يكون أقرب إلى قفزة في الفراغ.

وفي ضوء ذلك يصح القول إن عدم قبول النهضويين العرب فلسفة النهضة والحداثة قبولاً شاملاً، أوقع المجتمعات العربية في التناقضات والتخلف الذي هي فيه الآن، وجعل الحداثة العربية تكتفي بالتحديث التقني (التكنولوجي) والاستهلاكي المظهري، في إطار مرجعيات فلسفية وثوابت فكرية متخلفة ويمينية في الماضي.

ومن خلال استسلام كامل للعولمة وللغزو والاختراق الثقافيين في عصرنا الحاضر. إن إصرار المجتمعات العربية على الإصلاح الشامل، وحذرها تجاه التقسيط والتدرج، هو رد فعل عفوي وصحيح، لأنه ينطلق من عمق ثقافي يعتمد على تجارب شعوبنا ومجتمعاتنا وعلى تراكم ثقافتها خلال الخمسين عاماً الماضية، أي منذ استقلال البلدان العربية وإقامة دولها المعاصرة.