أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن أميركا سوف تتوقف عن مهاجمة قوات الرئيس الليبي معمر القذافي، وأعرب عن أمله ــ بدلاً من ذلك ــ في أن يتمكن الآخرون من طرد القذافي، أو أنه سوف يتنحى بفعل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.
سوف يعود الأمر، على ما يبدو، إلى «الناتو» في ما يتعلق بإنهاء الحرب، من دون المشاركة الأميركية المباشرة في القتال. إدارة أوباما التي تشعر بالارتياح، لم تقم قط بتوضيح طبيعة المهمة في المقام الأول، أو لصالح من، أو المبرر الذي كنا نقاتل من أجله.
فهل كان الغرض من القصف هو وقف عمليات القتل، أم مساعدة الثوار الليبيين، أم لخلع القذافي، أم مساعدة البريطانيين والفرنسيين الذين لهم مصالح نفطية كبيرة في ليبيا؟
هل كنا نقوم بفرض منطقة حظر الطيران فحسب فوق ليبيا، أم نقيم نوعاً من منطقة حظر الطيران مع هجمات عرضية على أهداف أرضية، أو إرسال عملاء أميركيين سراً على الأرض لمساعدة الثوّار؟ هل تجاوزت إدارة أوباما بكثير الجامعة العربية وقرارات الأمم المتحدة، من خلال محاولة استهداف القذافي لفترة من الوقت، وضمان انتصار الثوار؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يعبأ أحد؟ هل كانت الإدارة ستطلب موافقة الكونغرس، في وقت تعاني أميركا من عجز في الميزانية يقدر بـ1,6 تريليون دولار سنوياً، وتحشد قوات تقدر بحوالي 150 ألف جندي لتأدية مهام في أفغانستان والعراق؟ هل كانت ليبيا تشكل أزمة إنسانية أكبر من الكونغو أو ساحل العاج؟ وهل حلفاؤنا الجدد، وهم الثوار، يعتبرون مصلحين متسمين بالطابع الغربي أم إسلاميين، أم كليهما، أم لا شيء من هذا القبيل؟
لقد شكلت حالة التخلي المفاجئ عن الأعمال العدائية بعد نحو أسبوعين من بداية العمليات، سابقة عسكرية أميركية. صحيح، أن الولايات المتحدة خسرت حرباً كبيرة في فيتنام، وقررت أيضاً عدم إنهاء حرب في عام 1983، بعدما قامت عناصر تابعة لحزب الله بنسف 241 عسكرياً أميركياً في ثكنتهم في بيروت. وفي عام 1993، بعد أشهر قليلة من حالة الفوضى جراء سقوط طائرات بلاك كوك في مقديشيو، أمر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بسحب القوات الأميركية من الصومال.
في الماضي، وافقت الولايات المتحدة أيضاً على شروط تقل عن تحقيق النصر الكامل، كما هي الحال في هدنة عام 1953 مع كوريا الشمالية، والتي خلّفت شبه الجزيرة الكورية مقسمة إلى يومنا هذا. كذلك أصدر بيل كلينتون أمراً بشن هجمات صاروخية، ردا على الهجمات الإرهابية على الأميركيين في كل من أفغانستان والسودان، من دون الكثير من المتابعة. غير أن الولايات المتحدة لم يسبق لها في اشتباك عسكري ضد دولة ـ أمة، أن أوقفت القتال من طرف واحد بعد الأسبوعين الأولين من العمليات القتالية. ولست أعوّل على استعداد القذافي أو عائلته للرحيل.
في عام 1977، ردّ الرئيس المصري الراحل أنور السادات على الاستفزازات الليبية بشكل صارم. كان باستطاعة الجيش المصري الهائل تحطيم الآلة العسكرية الليبية وخلع القذافي بسهولة، ولكن خرجت مصر من الحرب في اللحظة الأخيرة، تلبية لنداءات الدول العربية التي أعربت عن قلقها.
في عام 1986، أمر الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، بشن ضربة ضد طرابلس استهدفت القذافي نفسه، الذي ربما تم تحذيره مسبقاً من الهجوم الوشيك ولاذ بالفرار. وتخلى ريغان عن المزيد من المهام ضد القذافي.
دخل القذافي حرباً استمرت عقدا من الزمان ضد تشاد، من عام 1978 حتى 1987، وخسرها. لكن على الرغم من سقوط آلاف الليبيين بين قتلى وجرحى، فإن الهزيمة لم تعرض للخطر قبضة القذافي على السلطة.
خلال فترة حكمه التي استمرت 42 عاماً، أرسل القذافي قوات لمساعدة الدكتاتور الأوغندي الوحشي «عيدي أمين»، وفجّر طائرة ركاب، ودعم «سلوبودان ميلوسيفيتش» في حروب البلقان، وأمر بتنفيذ اغتيالات في الخارج، وكان العقل المدبر لمؤامرات إرهابية، وكان دائما ما ينجو عن طريق استخدام ثرواته الطائلة من النفط لشراء إرجاء تنفيذ أحكام.
وخلافا للحاكمين الموالين للغرب في تونس ومصر اللذين رحلا عندما تصاعدت الاحتجاجات، فإن القذافي على استعداد تام لقتل الألوف من شعبه في سبيل الاحتفاظ بالسلطة. ورغم كل ذلك، فهو مستبد خارج عن العدالة دون أي مكان يؤويه. في العادة، فإن مثل هؤلاء الوحوش لا يتنازلون إلا إذا تم انتزاع السلطة منهم على يد القوات البرية الأميركية، كما هي الحال في العراق وغرينادا وبنما، أو يتم قصفهم بلا هوادة لمدة أسابيع، كما هي الحال بالنسبة لحملة «الناتو» ضد ميلوسيفيتش.
في العادة لا تشكل العقوبات والعزلة الكثير بالنسبة لطغاة وحشيين مثل القذافي، كما يشهد طول فترة الحكم بالنسبة لروبرت موغابي في زيمبابوي أو «كيم جونغ إيل» في كوريا الشمالية أو الزعيم الكوبي فيدل كاسترو.
في معرض دفاعنا، يمكننا القول إن خلع القذافي كان مهمة أوروبية. يمكننا أن نتفق على أن الرئيس أوباما تصرف باندفاع، دون مهمة واضحة المعالم، أو استراتيجية أو نتيجة مرجوة، ودون تأييد الأغلبية في الكونغرس أو من الشعب الأميركي.
نعم، نستطيع أن نقول كل ذلك، لكن لو بقي القذافي أو عائلته في السلطة بعد أن سئمت الولايات المتحدة وغادرت الساحة، فسوف يمكننا القول إن هذا النوع من الهزيمة هو شيء جديد تماما في التاريخ الأميركي.