بعدما استطالت فترة المشاورات لتأليف الحكومة الجديدة ما يزيد على الشهرين ونصف الشهر، يتساءل كثيرون في الوسط السياسي اللبناني؛ ما هو سر قدرة الرئيس نجيب ميقاتي على التحصن بالصبر والتزام الهدوء والسكينة العصبية، في مقاربة المشكلات المتراكمة التي تعترض سبيل التكليف والتي لا يبدو أن لها حلولاً في المدى القريب زمنياً؟ العارفون بطباع الرئيس المكلف والعناصر التي تحكم سلوكه السياسي، يعيدون هذه القدرة إلى جملة عناصر أخصها:
1. اتكاؤه إلى قاعدة شعبية طرابلسية (وشمالية) تمحنه ثقة ومقدرة على امتلاك النفس الطويل، يؤازره في ذلك تحالفه المتين مع قاعدة طرابلسية سنية أخرى يمثلها الوزير محمد الصفدي.
2. تمتعه بغطاء سياسي ومذهبي سني كان يتعاظم كلما مضى زمن على التكليف، فبعد العراضات الأولى التي ووجه بها تكليفه (والتي سرعان ما انحسرت) راحت موجات التأييد السنية تتزايد وتتعمق، بما يمنح الرئيس المكلف «شبكة أمان» شعبية ثمينة: بيان الثوابت الإسلامية الذي صدر عن دار الفتوى ممهوراً بتوقيع ميقاتي، مما وفر له غطاء سنياً كان ثميناُ في مواجهة حملات التشكيك، والبيان الأخير الذي صدر أيضاً عن دار الفتوى بمشاركة سنية شاملة جعلت ميقاتي يتبوأ مقعده كرئيس مكلف تشكيل الحكومة، يحظى بإجماع المراجع السياسية والدينية في طائفته.
3. اكتشاف القوى السياسية التي سمته مرشحا لتشكيل الحكومة، أن لا بديل جديا عن ميقاتي إذا أرادت أن تسحب منه الثقة التي جاءت به رئيساً مكلفا، سواء في ما سمي بالمعارضة السنية أو في دائرة حلفاء الرئيس ميقاتي (الوزير الصفدي)، فعلى المستوى الشمالي نجح الرئيس ميقاتي، بصبره وعدم دخوله في المماحكات السياسية أو بنزعته إلى الوسطية وتدوير الزوايا، استطاع سحب الفتائل من أيدي خصومه وإعادة مد الجسور مع من تصدعت العلاقة معه أو كادت تدخل طور القطيعة.
4. توثق علاقاته مع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ومع النائب وليد جنبلاط، بما يكون قاعدة شعبية وسياسية يتكئ إليها في غياب كتلة نيابية كبيرة يترأسها ميقاتي أو يحمي بها ظهره، فقد ظهر أن الوسطية التي تجمع رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وقد انضم إليهما النائب جنبلاط في سلوكه وخياراته، هي قاعدة متينة لا يستهان بها.
5. استمرار ثقة القيادة السورية به وبحكمته السياسية، وبكونه البديل الوحيد الممكن عن الرئيس سعد الحريري الذي لا يبدو أن دمشق عازمة على إعادة الصلة به. فالرئيس المكلف قد يكون وحيداً (إلى جانب الوزير الصفدي) بين القيادات السنية القادرة على الاستجابة للرؤية السورية المطلوبة من الرئيس المكلف: تأييده المقاومة واستعداده لحمايتها، والدفاع عن خصوصية العلاقة السورية ـ اللبنانية، مع استمرار تمتعه بتأييد عارم من طائفته بالذات.
6. عدم وجود أي سند قانوني أو دستوري للتراجع عن التكليف الذي جمع له 68 صوتاً، فالدستور لا يجيز لرئيس الجمهورية التراجع عن هذا التكليف، والدستور نفسه أيضاً لا يسمح للغالبية النيابية بالتراجع عن تسميتها الرئيس ميقاتي، إلا في حال اعتذر هو رسميا وقام رئيس الجمهورية بالدعوة إلى استشارات نيابية ملزمة، وحينها تكون حرة في تسمية من تشاء. إذن، يمكن للرئيس المكلف أن يبقى مكلفا إلى ما شاء الله، وسواه من رؤساء الوزراء المكلفين استهلكوا 135 يوما في المشاورات التي سبقت التأليف (الرئيس رفيق الحريري، والرئيس فؤاد السنيورة 44 يوماً).
7. تمتعه بموافقة ضمنية (صامته نسبيا) من عواصم القرار الدولي (واشنطن وباريس في انتظار اتضاح طبيعة الوزراء المعنيين وطبيعة البرنامج الوزاري وموقف الحكومة الجديدة من المحكمة الدولية)، غير أن فترة السماح التي منحت للرئيس ميقاتي من عواصم القرار قد لا تمنح لسواه، نظراً إلى علاقاته الوطيدة بكل من واشنطن وباريس، الأمر الذي يدفع الأكثرية الجديدة إلى التريث الكبير، قبل أن تفقد الأمل في استجابة ميقاتي لشروطها وتعزم بالتالي على سحب الثقة منه.
8. ارتفاع سقف مطالب الجنرال ميشال عون، التي تجعل الدفاع عنه محرجا حتى بالنسبة إلى أقرب حلفائه (حزب الله)، فالجنرال الذي يصر على امتلاك الثلث المعطل و12 وزيراً له في حكومة ثلاثينية، وعلى حرمان الرئيسيين سليمان وميقاتي من الثلث الذي يبيح لهما التحكم في مصير الحكومة بقاء أو استقالة، يخوض معركته الشخصية ضد رئيس الجمهورية (معركة الانتخابات النيابية المقبلة ومعركة رئاسة الجمهورية في 214)، الأمر الذي يحرج حلفاءه غير الراغبين في كسر الجرة مع رئيس الجمهورية المؤيد بقوة للمقاومة الإسلامية وللعلاقة الوطيدة مع دمشق. كل هذه الأوراق يملكها الرئيس ميقاتي، ويعرف أن يدبرها بحكمة.. فإلى متى تستمر سياسة «عض الأصابع» ومن يصرخ أولا؟