لعبت النزاعات الطائفية المدمرة، إلى جانب عوامل داخلية وإقليمية ودولية متشابكة، دورا أساسيا في تفجير المجتمع اللبناني خلال سنوات 1975ـ1990، فانهارت سلطة الدولة المركزية، وتفكك الجيش اللبناني، وانتشرت الميليشيات المسلحة على نطاق واسع، وأقيم نوع من اقتصاد الظل. واستدرج زعماء الطوائف المتناحرة تدخلات إقليمية ودولية، لتعزيز مواقعهم العسكرية والسياسية في مناطق سيطرتهم، فاستغلت إسرائيل الظروف المؤاتية لكي تحتل بيروت وقرابة نصف لبنان في عام 2891. وردت القوى الوطنية اللبنانية بإطلاق المقاومة العسكرية المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأجبرته على الخروج من بيروت، ثم من صيدا والبقاع الغربي، واستمر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من جنوب لبنان.
بعد تدخلات عربية ودولية متنوعة، استطاع «اتفاق الطائف» لعام 1989 أن ينهي خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية في لبنان. لكن إسرائيل رفضت تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 الصادر في آذار/ مارس 1978، والذي نص على خروج القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة دون قيد أو شرط. فاستمرت المقاومة الوطنية في نضالها ضد القوات الإسرائيلية، إلى أن نجحت في تحرير كامل جنوب لبنان باستثناء مزارع شبعا، وذلك في أيار/ مايو 2000. ورفضت الحكومة اللبنانية توقيع اتفاق صلح مع إسرائيل إلا بعد الوصول إلى حل شامل ودائم وعادل للقضية الفلسطينية، واعتراف إسرائيل بحق العودة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على أرض فلسطين.
توقع اللبنانيون قيام نظام وطني جامع بعد التحرير، يؤسس للعدالة والمساواة بين جميع اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، ويحصن لبنان من الأطماع الإسرائيلية المعلنة. لكن زعماء الطوائف في لبنان امتنعوا عن تنفيذ كامل بنود اتفاق الطائف، خاصة ذات الطابع الوطني والإنماء المتوازن، وتم التركيز فقط على المحاصصة الطائفية في السلطة، مما أضعف النظام السياسي اللبناني إلى الحدود القصوى. هكذا أوقف اتفاق الطائف الحرب، دون أن يضع الضوابط القانونية الضرورية لتطوير النظام السياسي، وتعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ العيش المشترك، وحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في لبنان.
تبدو الساحة اللبنانية اليوم وكأنها على أبواب تجدد العنف الدموي على أسس مذهبية، لأن النظام السياسي بات عاجزا عن تجديد نفسه على قاعدة التوازنات الطائفية السابقة. لكن الشعب اللبناني أصبح اليوم أكثر وعيا مما كان عليه في العام 1975، وبات على قناعة شبه تامة بأن الصراع يدور الآن على أسس سياسية، للسيطرة على مقاليد الحكم وليس لتغليب طائفة على أخرى. وبالتالي، هناك احتمال ضعيف لتجدد النزاعات المذهبية أو اي شكل من الصراع الطائفي في لبنان، فجميع القادة السياسيين يدركون جيدا مخاطر ذلك الصراع على قاعدة الطوائف وقياداتها معا. فنتائج الحرب الأهلية وما رافقها من شهداء، ومهجرين، ومقعدين، ودمار هائل في الممتلكات، ما زالت حية في ذاكرة اللبنانيين. ودفعت الدولة اللبنانية مئات ملايين الدولارات لإرجاع نسبة ضئيلة من مهجري الحرب إلى قراهم التي دمرت كليا أو جزئيا، بسبب الصراع بين زعماء الطوائف.
نخلص إلى القول إن لبنان اليوم أمام تحديات جديدة تطال جميع اللبنانيين، وليس طوائف أو مناطق محددة:
1- فأزمة تشكيل الحكومة اللبنانية ما زالت تراوح مكانها منذ أكثر من شهرين، وستستمر الأزمة بعد التشكيل بسبب الخلاف المتوقع على شكل الحكومة، وما إذا كانت ذات طابع وطني جامع أم تمثل فريقا واحدا، بالإضافة إلى خلاف أكيد على نص البيان الوزاري، وكيفية التعاطي مع سلاح المقاومة بعد تصاعد النبرة ضدها من جانب قوى المعارضة الجديدة. كما أن زعماء لبنان يمارسون السلطة دون ضوابط قانونية أو دستورية، بحيث تسود سلطة الأمر الواقع وليس سلطة القانون والمؤسسات، مما جعل غالبية السياسيين يؤكدون على أن ممارسة السلطة دون ضوابط قانونية يقود حتما إلى إضعاف النظام السياسي، ويقدم الدليل القاطع على عجزه عن تطوير ذاته من الداخل، مما يبرر العمل على إسقاطه من خارج القوى الطائفية التي تحولت إلى قوى مذهبية تتمسك كل منها بمواقع ثابتة لها في مؤسسات الدولة وإداراتها الرسمية.
2- في الأيام القليلة الماضية، شهد لبنان أزمة حادة بسبب «انتفاضة السجون». فالنظام القضائي مشلول نظرا لكثرة التدخلات السياسية في شؤون القضاء، مما جعل عدد المساجين يتكدس في غرف ضيقة وموبوءة بصورة غير إنسانية وغير مقبولة، وتتعارض مع جميع المعايير الدولية المعتمدة لحماية حقوق الإنسان. فقد تم توقيف عدد كبير من السجناء لسنوات عدة دون محاكمة، وفق توقيف تعسفي لا يراعي حتى أبسط القواعد الحقوية المنصوص عليها في القوانين اللبنانية نفسها. وقد تحول بعض السجون إلى بؤر للفساد والإفساد، وتعاطي المخدرات، وغيرها من الموبقات. ونظرا لغياب المراقبة والمساءلة، وجهت أصابع الاتهام إلى أفراد من قوى الأمن المكلفة بمراقبة السجون، تؤكد تلقيها رشاوى منتظمة بصورة تسيء إلى سمعة السلطات اللبنانية وأجهزتها الأمنية. ومع تفجر هذه الأزمة الاجتماعية الكبيرة الناجمة عن ضعف السلطة المركزية أو غيابها، فليس هناك ما يشير إلى حل قريب لها. وما لم يبادر النظام السياسي إلى إصلاح مؤسساته، سيفقد اللبنانيون ثقتهم بحكامهم وبأنهم ينتسبون إلى دولة ذات سيادة على أراضيها، وتمارس الحد الأدنى من العدالة والمساواة بين مواطنيها، دونما أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي.
3- بعد أن عمت الانتفاضات الشعبية غالبية الدول العربية تقودها قوى شابة تمتلك ثقافة عصرية واسعة، ولديها حس وطني جامع، كان لا بد لشباب لبنان من التحرك في الاتجاه السليم لتغيير النظام السياسي في لبنان، الذي بني على ركائز طائفية جعلته عاجزا عن تطوير نفسه من الداخل. وزادت حدة الأزمة بعد أن تحولت الطائفية إلى مذهبية متفجرة، تشكل خطرا حقيقيا على وحدة لبنان واللبنانيين.
ختاما، يخوض اللبنانيون معركة تغيير جذري بخطى تدريجية طويلة الأمد، لأن نظامهم السياسي لا زال قويا جدا بسبب التشنجات الطائفية والمذهبية المستمرة. ولا بد من العمل على فصل الانتماء الطائفي الطبيعي الذي يدخل في باب العبادات وممارسة الشعائر الدينية، وبين النظام السياسي القائم على الطائفية السياسية وتوزيع السلطة محاصصة بين زعماء الطوائف، على حساب القوى الشبابية والجماهير المنتجة في جميع الطوائف. فأزمة السلطة في لبنان باتت بنيوية، لأن الطائفية السياسية لم تعد صيغة صالحة لحل المشكلات الحادة التي يعاني منها اللبنانيون، بل صيغة مولدة للأزمات. والنظام الذي يخسر شبابه، ويعجز عن تأمين حقوق المواطنة والعدالة والمساواة بين مواطنيه، يخسر معركة التغيير الديمقراطي ليصبح تغييره بالطرق الديمقراطية السليمة مسألة حتمية.