ليس مستغرباً في نواميس التعامل الإنساني، أن تُغرس بين أزاهير الحضارة والتقدم والرقي أشواك من المطامع والنزوات، ليتعكر صفو العلاقات الإنسانية في معادلات يحكم أطرافها مبدأ متخلف، يقوم على العبودية واستخذاء الآخر، مهما كان نوع العبودية أو طبيعتها أو هويتها. والاتجار بالبشر يصلح مثالاً لما سبق في صورة من صوره، ذلك أن الرخاء والانفتاح الحضاري على الآخر، يبسط المجال لأصحاب النفوس الضعيفة والباحثين عن الثراء السريع، أن يسلكوا أقصر الطرق، بل وأقذرها في آن معاً، لنيل مكاسب المال والحظوة، ولو على رقاب الآخرين، في تهميش غريب لكل مفاهيم الكرامة الإنسانية وما تعاهد عليه الناس من حقوق وحرية، مستغلين في كثير من الأحيان سقوط «بضاعتهم» في مصيدة الحاجة والفاقة والفقر، والهروب من قدر الموت جوعاً إلى قدر الموت إهانة. ويعجب المرء من المستوى الإنساني الذي لا يزال يتمسك به البعض لإنعاش هذه التجارة، في إغماض للعينين عن كل الروادع الأخلاقية والبشرية، والقوانين الدولية والمعايير الإنسانية التي تجرم مثل هذه الأفعال. وبين الحين والآخر تتناقل وسائل الإعلام أخباراً وتقارير تحاول المساس بدولة الإمارات، من خلال إشاعات تحمل في مضمونها قضية الاتجار بالبشر.

ويحاول بعض تلك الوسائل النيل من استقرار البلد تلويحاً بهذه الذريعة، وهي ادعاءات نعرف منطلقاتها ومراميها جيداً، ونعلم تماماً لماذا يتم تضخيم الحالات الفردية والأخطاء الشخصية التي لا يكاد يخلو منها مجتمع، لتصبح وفق منظور الإعلام المغرض وادعاءاته المزعومة، ظاهرة خطيرة مستشرية تنخر في المجتمع ولا تحفظ له كيانه. ولا ندعي أننا مجتمع ملائكي لا تشوبه شائبة، فمجتمعنا مثل غيره من المجتمعات، فيه الصالح والطالح، إلا أن ما يميزه هو أن التوجه الحكومي والشعبي يسيران في سبيل الإصلاح بشتى أطيافه، بما يتوافق مع أصالتنا وتراثنا ومنطلقاتنا الأخلاقية والاجتماعية، وهي أسس إيجابية كفيلة بأن تصل بالمجتمع إلى البر الأمن من أكدار السطو على الحرية الإنسانية.

قبل أيام احتضنت أبوظبي فعاليات اللقاء الخليجي الأول لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، والذي نظمته إدارة حقوق الإنسان في وزارة الداخلية تحت رعاية الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وكان أبرز ما تمخض عنه هذا اللقاء هو الدعوة إلى تكثيف الجهود لمكافحة هذه الظاهرة، من خلال استراتيجيات شاملة وخطط عملية تضع هذه القضية موضع الاهتمام اللائق بها، وسن وتطوير التشريعات والقوانين الكفيلة بكبح سعار هذه الجريمة المنظمة، وتبادل الخبرات والتعاون لتحقيق أفضل النتائج. وفيما يعد ترجمة لتوجه دول مجلس التعاون الخليجي، وحرصها على تعزيز واحترام حقوق الإنسان ودعم العمل الإنساني على المستويين العربي والدولي، كان إعداد وثيقة أبوظبي للنظام الموحد لمكافحة الاتجار بالبشر، التي اعتمدها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس، كما تم اعتماد وإنشاء مكتب لحقوق الإنسان ضمن هيكل الأمانة العامة لمجلس التعاون، والذي بدأ بمزاولة أعماله، وهو دليل آخر على اهتمام القادة بهذا الأمر.

هذا فضلاً عن المبادرة إلى تحديث التشريعات والقوانين الداخلية لدول المجلس، ومصادقتها على العديد من المواثيق والقوانين والبروتوكولات الإقليمية والدولية، ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، والبروتوكول الخاص بالاتجار بالأشخاص، لا سيما النساء والأطفال، والوارد في اتفاقية باليرمو لعام ‬2000، كما دخلت دول المجلس في شراكات مع المؤسسات والمنظمات غير الحكومية، لتبادل المعرفة والخبرة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر وحماية حقوقهم. هذه المبادرات المباركة التي احتضنتها الإمارات، كعادتها في السعي نحو كل ما من شأنه ترسيخ البعد الإنساني العالمي في التعامل بين الشعوب وتأكيد الكرامة الإنسانية، تحتاج إلى روافد تصب معها في الطريق ذاته، لتعميم الأثر والمسارعة في الحد من تبعات هذه الظاهرة على المنطقة، ولتجعل من محاربة الظاهرة واجباً أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً. هذه الروافد هي في مجملها مكملة للعمل القانوني والتشريعي وموجهة له، لأننا نعلم أن القانون وحده لا يكبح ظاهرة مثل هذه، إن لم تجد رقابة اجتماعية مستمرة وتدعيماً إعلامياً وتربوياً ممنهجاً، يرسخ مبادئ الكرامة الإنسانية ويرقى في أساسيات التعامل بين الناس.

ولعل الإعلام من أبرز النوافذ القادرة على تقديم الدور الفاعل في هذه القضية، من خلال قطع حبل التردد في التعاطي مع مروجي مثل هذه القضايا والمتعاملين بها، وملاحقة القضايا الإنسانية وتعميم أخبارها، ليقف المجتمع على التجاوزات الشخصية وبناء ثقافة الرفض الاجتماعي العام.

ومنبر آخر لا يقل أهمية في هذا الشأن، يتصل بطلبة المدارس وما يقدم لهم من وجبات إنسانية تربوية، ينبغي أن تعتمد على تعزيز مبادئ الكرامة بين الناس من دون فرق بينهم، في تشرب لمبدأ مطلق لا تخفت نصاعته بكرّ الأيام، محوره «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً».