الحديث عن اللغة العربية حديث ذو شجون، حيث تنتابك دائماً حالات شعورية مختلفة ومختلطة، بين اعتزاز بلغة تمثل هويتك وكيانك، تحبها كما الوطن دون اختيار، حتى وإن لم تكن قد اكتشفت أسرارها وسبرت أغوارها ومكنون ذخائرها، فذاك أمر صعب المنال على أهل اللغة وخاصتها وعلمائها، فما بالك بالمريد الذي ما زال يقف على بابها ليلم ببعض أطرافها بجهد المقل الضعيف، وبين غربة عنها وجفوة تباعد بين أصحاب اللغة ولغتهم يوماً بعد يوم، تغذيها مناهج تعليمية تخلت عنها وغيبتها أحياناً أو جعلتها تتوارى، ابتداءً من مرحلة الروضة مروراً بباقي المراحل الدراسية، وليس انتهاءً بالمرحلة الجامعية التي نحصد فيها نتاج سنوات التهاون في التعامل مع اللغة العربية، للدرجة التي يعجز فيها بعض الطلبة عن كتابة جملة واحدة بدون خطأ لغوي واحد، فضلاً عن ضعف وركاكة معيبة عند التحدث بها.

ولأن الأمر جد لا هزل فيه، وبات السكوت عنه كما السكوت عن الحق أمراً غير محتمل، أبت جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا إلا أن تكون في موقع القلب من قضايا أمتها، وامتداداً لدورها التنويري أخذت زمام المبادرة بالتعاون مع دائرة الثقافة والإعلام في الفجيرة، وبرعاية كريمة كعادته دوماً من سمو الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي ولي العهد، بإقامة ملتقى الفجيرة الإعلامي الثاني، بعنوان «الترجمة واللغة العربية في وسائل الإعلام وتحديات المستقبل». ذلك أن عولمة الإعلام صدرت إلينا المزيد من الإشكاليات التي تتطلب وضعها على طاولة البحث، للخروج من هذه الوهدة ولغتنا أشد صلابة وأقدر على استيعاب مستجداته، دون تكريس المزيد من التراجع متعللين بأن ليس في الإمكان أفضل مما كان.. فعولمة الإعلام تتطلب منظوراً متجدداً إلى اللغة يواكب هذه السيولة المعلوماتية، لما بين الإعلام واللغة من تكامل تدفع إليه التطورات المتسارعة التي تحيط بنا، سواء سياسياً أو ثقافياً أو تكنولوجياً.

وأتفق ابتداءً مع ما طرحه الأستاذ الكبير فاروق شوشة، من أن اللغة العربية الحديثة والمعاصرة تدين للإعلام العربي بالكثير. فمنذ بدأت الصحافة العربية، وانتشرت في سائر الأقطار العربية، وجهود الإعلاميين العرب متواصلة من أجل تحقيق لغة جديدة لوسائل الإعلام، تتحرى الصواب وتستجيب لثورة الاتصال اللغوية، عن طريق الترجمة والتعريب والتوسع في القياس والاشتقاق والنحت، وجعل هذه اللغة الجديدة تتسع لمتطلبات العصر وحاجاته الأساسية، وتكون جديرة بالتعبير عنه في كل المجالات، دون عنت أو مشقة.

من هنا يصبح للإعلام العربي دور بارز في إثراء هذه اللغة وإمدادها بالكثير من عناصر الحيوية، وأصبحت اللغة العربية في وسائل الإعلام العربية وعاء العصر في كل المجالات العلمية والثقافية والأدبية والفنية، بالإضافة إلى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فكل ما ينتجه العصر ويبدعه، يصب في خطاب اللغة العربية في الإعلام العربي، الذي يضخ في كل يوم مئات الكلمات والتعابير الجديدة، التي تصبح في اليوم التالي جزءاً من متن اللغة الحية في الاستعمال على ألسنة الناس وأقلامهم.

ولأن فاروق شوشة رجل من الزمن الجميل، فقد تحدث عن وسائل الإعلام في عالمنا العربي يوم أن كانت تعي أهمية الدور المنوط بها، وخطورة الكلمة التي تبثها ودورها المؤثر في تشكيل الوجدان العربي، يوم أن كانت تمثل رأس الحربة في حركات التحرر العربي.. يومها كان إعلامنا العربي يتعامل مع مشاهديه كمواطنين لهم حقوق، لا كزبائن يسعى لإرضائهم وإشباع رغباتهم.

ولأن وسائل الإعلام ترتبط بالحالة المجتمعية التي تحيط بها صعوداً وهبوطاً، فقد أصابها ما أصاب أمتنا من وهن، شكلاً ومضموناً. فأصبح المذيع الذي يتقن اللغة العربية، أو في أضعف الإيمان يستطيع أن يفرق بين اللام الشمسية واللام القمرية، عملة نادرة، وإن شئت الدقة عملة ممنوعة من الصرف، بعد أن زحفت العامية على معظم برامجنا وباتت إجادة الإنجليزية شرطاً يسبق كل شروط شغل الوظائف الإعلامية، ويسبق الكفاءة المهنية ذاتها في كثير من الأحيان.

ولأن الأمر كذلك، فقد غابت الدراما التي لعبت دوراً في نشر العربية المبسطة والصحيحة، لتخرج لنا من جعبتها لغة جديدة لها قاموسها الخاص، وغابت رباعيات الخيام التي ترجمها الشاعر أحمد رامي عن الفارسية لتشدو بها كوكب الشرق أم كلثوم، لتحل محلها هزليات المهرجين وأشباه المطربين.

هنا يظهر الوجه الآخر للعملة، حين نرى تعامل وسائل الإعلام العربية مع اللغة العربية، وكأنها في حالة من الخصام أو الوهن أو غياب الوعي.. سمه ما شئت. إلا أن هذا التوصيف له علاماته وأماراته في العجز عن نحت مصطلحات جديدة تواكب ما تتناقله وسائل الإعلام الغربية، فنكتفي بنقل المصطلح دون تدقيق أو تمحيص، ويتم تكريسه ليصبح هو اللفظ الشائع وإن تعارض مع ثقافتنا، والأمثلة أكثر من أن تحصى، حتى باتت جزءاً من قاموسنا الإعلامي.

إن القوة الكامنة في اللغة العربية الفصحى، وغنى أساليبها في التعبير، والتي اكتسبتها على مدار التاريخ الذي عاشته، هي أحد أسباب صمودها، رغم تخلي عدد غير قليل من أبنائها عنها. لذا فإن الحرص على استخدامها بشكل مبسط، هو مطلب للغويين والإعلاميين والغيورين عليها، لإدراكنا لخطورة استخدام العامية، من حيث انتشار الازدواجية اللغوية التي تنعكس على ثنائية التفكير والاختلاف في فهم الدلالات والمعاني، فضلاً عن ارتباط الفصحى في أذهان قطاع عريض من الناس بالكتابة فقط.

ويحضرني هنا ما قاله الشاعر معروف الرصافي، حين قال إن العربية بقواعدها المحكمة، وتصاريفها المتناسقة المطردة، جديرة بأن تعد من أطول اللغات باعاً، وأبعدها للمعاني انتجاعاً، وأكثرها للألفاظ توليداً وانتزاعاً، وهي مع ذلك فيها من القابلية للتجدد والاتساع ما ليس في غيرها من لغات البشر، وما أصابها إنما هو عجز أهلها وجمود الناطقين بها.