لكل امرئ من اسمه نصيب، كما يقول المثل، وجزر القمر التي حباها الله بكل عناصر الجمال الذي يأسر النفس، ويسرح بها في فضاءات التسبيح بحمد الله جلت قدرته والشكر الكثير على هذه التوليفة الرائعة في هذه البلاد، فيها طبيعة ساحرة تسلب الألباب، وطقس جميل تنسج خيوطه ألوان قوس قزح بألوانه الكاملة، كما أن أمطار الخير المدارية تسقي الزروع وغابات أشجار المانغو والأناناس، وترتوي مساحات كبيرة من الورود النادرة والقرنفل الذي تشكل خاماته عمودا فقريا لصناعة أفخر أنواع العطور الباريسية الشهيرة. أما ما يفيض من الغيث فينسكب سريعا نحو المحيط الهندي، في علاقة حب أزلية نسجت خيوطها عبر التاريخ بين الماء واليابسة، وتلاحم بين اللون الأزرق والأخضر، لتتشكل من هذه الأرض الطيبة، سمفونية رائعة للباحثين عن السكينة والهدوء والتمتع بالطبيعة.

لكن علة هذا البلد المسلم، هي الفقر والبطالة، بسبب ضعف إمكانات الدولة التي لا تستطيع مطلقا بمثل ميزانيتها البائسة، أن تبني مستشفى أو مدرسة أو طريقا، بل إن الأكثر من هذا أن الحكومة في أحيان كثيرة، لا تقدر على دفع مرتبات موظفيها لشهور عديدة. وكل ذلك بلاشك يشل برامج وخطط التنمية والتشغيل.. ميزانية سنوية لا تزيد عن ستين مليون يورو، يأتي جلها من عائدات الجمارك، مع تحويلات بسيطة من مغتربين قمريين في فرنسا.

مؤسسات دولية وعربية ذهبت واطلعت، ثم درست وأوصت كما هو المعتاد، من غير أن تلمس لها أثرا على الأرض، باستثناء مساهمات خيرية لجمعيات ومنظمات محدودة، في بناء بضعة مساجد وصفوف لتحفيظ القرآن الكريم، وفصول مدرسية متهالكة.. فهناك في هذا البلد الأحدث انتماء لعضوية الجامعة العربية، وسكانه جلهم من أصول عربية وفدوا إليها في قرون خلت من حضرموت وعُمان وزنجبار والخليج العربي، هناك شعب طيب ومسكين استكان لقدره، كما يذكر ذلك دوما أبناء الشعب القمري، والذي يتطلع إلى نخوة إخوانه وأشقائه في بلاد العرب الواسعة والمتمكنة..

مؤسسة المرأة العربية بادرت إلى تنفيذ برنامج للتنمية العلمية والإنسانية، حظي بتقدير اليونسكو والأمم المتحدة، فانتدبت ثلاث سفيرات للنوايا الحسنة، هن؛ نوال المتوكل بطلة عالمية في الأولمبياد من المغرب، والشيخة هند القاسمي من الإمارات، وإعلامية معروفة من قناة الجزيرة هي ليلى الشيخلي، تحركن وذهبن إلى الجزر، وجلن فيها وتعرفن عن قرب إلى المستشفى اليتيم والمتهالك في العاصمة القمرية موروني، والذي يكنى بمستشفى الموت، تندرا بأن الداخل إليه لا يحصل على الشفاء إلا بمعجزة..

شرعت السفيرات في الاتصال بكل الجهات العامة والخاصة، وتمكن بدعم صاحب السمو حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي جزاه الله خيرا، من الانتهاء من تشييد وتجهيز مستشفى حديث متخصص بالنساء والولادة والأطفال، حيث إن النساء هناك يلدن على رصيف المشفى، أو سمه مبنى الموت! وكذلك نجحن في الشروع في بناء قسم داخلي بمكرمة من ملك المغرب، لطالبات الجامعة القمرية اللائي سرعان ما يتركن الدراسة بسبب عدم القدرة على دفع الإيجارات للسكن، كما أن هناك أعدادا غير قليلة من البنات اليتيمات والمشردات، في بلد هو الأعلى معدلا في العالم في نسبة وفيات الأمهات، حيث يصل المعدل العمري إلى ‬42 سنة. وتبرعت مشكورة الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي، مديرة مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، ببناء وتجهيز واحدة من ثلاث دور للبنات اليتيمات، فيما تبقى لهذا البرنامج داران، بيتان فقط، يمكن أن تؤويا بنات في عمر الزهور لا يجدن لهن ملجأ أو مكانا يمكن أن يمنحهن الدفء والحنان والتربية الصالحة، وكذلك مركز لطب الأسنان. ولمن لا يعلم، فإن البلد كله لا يتوفر فيه طبيب أسنان واحد...

نداء أرفعه للقلوب الرحيمة في بلادنا، التي نشرت أشرعة الخير والعطاء في كل مكان. فمؤسسة المرأة العربية تعمل على تعميق البعد التنموي والخيري لمشاريعها، التي تتولى إنجازها وإدارتها وتشغيلها، تحقيقا لعنصر الاستمرار والجودة.. من يسرع إلى كفكفة دموع اليتامى في أجمل بلد وأروع شعب؟ عندما ترى منظر مسكنه المكون من الصفيح وتشفق عليه وتسأله ماذا تطلب من مساعدة، يقول لك القمري بلا تردد: ابن لنا مسجداً قبل الدار.. لشدة تمسكهم بالدين الإسلامي الحنيف.

الفقر قاسٍ والعطاء من أهل الخير دواء شافٍ له.. وقد نجحت سفيراتنا في توفير مقاعد جامعية لطالبات الجزر، وسلطن الضوء على المعاناة المريرة، وبقي أن نحتفل سويا بإتمام مشروعين، هما داران لليتيمات وعيادة طب الأسنان فقط. وكما يقول رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم): «أنا وكافل اليتيم.. في الجنة».